
عيد البشارة المجيد
عيد البشارة هو أول الأعياد السيدية.
فيه نذكر بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء قائلا لها: “سلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت فى النساء” “ها أنت ستحبلين وتلدين إبناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً، وابن العلى يُدعى. ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية” (لو 1: 26 – 33).
فلما تعجبت العذراء قائلة “كيف يكون هذا، وأنا لست أعرف رجلا؟!”، أجابها الملاك “الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلى تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 35، 34).
وأخبرها الملاك بحبل أليصابات بابن فى شيخوختها. ثم قال “لأنه ليس شئ غير ممكن لدى الله”.
واستقبلت العذراء هذه البشارة، أو هذا التكليف، بالخضوع للإرادة الإلهية وقالت “هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك” (لو 1: 38). ومضى من عندها الملاك.. إذ كان قد أدّى رسالته.
البشارة فرَح
دائماً البشارة تحمل خبراً مفرحاً.
لذلك فإن الإنجيل أيضاً يسمى بشارة. فنقول بشارة متى، بشارة مرقس.. ذلك لأن الإنجيل يحفل أخباراً مفرحة Good News أخباراً عن الخلاص الذى قدمه السيد المسيح لأجل فدائنا. وايضاً لأن الإنجيل يحمل إلينا أخباراً مفرحة عن تعاليم المسيح الجميلة التى تفرح كل قلب محب للفضيلة والقداسة. وذلك لأن الناس الروحانيين يفرحون بكلمة الله كمن وجدوا غنائم عظيمة “(مز119).
وعيد البشار يحمل بشارة بالخلاص.
وهذا واضح من قول الملاك “وتدعو إسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” (مت 1: 21). إن كلمة (يسوع) معناها مخلص.
ولذلك أيضاً قال الملاك للرعاة “.. إنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو 2: 11).
وبهذا الخلاص أيضاً سبحت السيدة العذراء فى مقابلتها للقديسة أليصابات قائلة “.. وتبتهج روحى بالله مخلصى” (لو 1: 47).
بشارة الخلاص هذه، لم تكن للقديسة العذراء وحدها، ولا للرعاة وحدهم، وإنما للعالم كله.
ولهذا قال الملاك للرعاة “ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب إنه ولد لكم.. مخلص هو المسيح الرب” (لو 2: 11، 10).
وعن هذا الخلاص الذى للجميع، لما أخذ سمعان الشيخ الطفل يسوع على يديه، بارك الرب قائلا “الآن يارب تطلق عبدك بسلام حسب قولك. لأن عينى قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب” (لو 2: 28 – 30).
إذن هى بشرى بالخلاص لجميع الشعب، ولجميع الشعوب، وصلت أولاً إلى أذنى القديسة مريم العذراء ثم لآخرين
بدء الصلح
كانت البشارة بميلاد المسيح هى بدء الصلح بين السماء والأرض:
بدء المصالحة بين الله والناس، بعد خصومة طويلة منذ خطية آدم وحواء.. كان الطريق إلى شجرة الحياة مغلقاً، يحرسه الشاروبيم بسيف من نار (تك 3: 24). وكان قدس الأقداس عليه حجاب، ولا يدخله أحد من الشعب (عب 9: 7، 3).
وفى الفترة السابقة لمجئ السيد المسيح، لم يكن هناك أنبياء، ولا كلام بين الله والناس، ولا ظهورات مقدسة، ولا ملائكة يرسلهم الله إلى الناس.. كانت فترة غربة طويلة تغرب فيها الناس عن الله.
ثم جاءت البشارة كبشير صلح بين الله والناس.
وكثرت ظهورات الملائكة مع رسائل مفرحة هى البشارة بالمخلص…
كانت بشارة بخلاص روحى.
بمخلص يخلص الناس من خطاياهم، وليس مخلصاً سياسياً يخلصهم من حكم الرومان. بل هو “خلاص بمغفرة خطاياهم” (لو 1: 77). كما تنبأ بهذا زكريا الكاهن قائلاً عن هذا الخلاص “بأحشاء رحمة إلهنا التى بها افتقدنا.. ليضئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت” (لو 1: 79، 78).
الخلاص كان سيتم على الصليب، حينما يحمل المسيح خطايانا ويموت عنها. ولكن الخلاص على الصليب ما كان سيتم إلا إذا وُلد المسيح أولاً. وهنا كانت أهمية البشارة بميلاد المسيح الذى سيخلص شعبه من خطاياهم والبشارة بالخلاص من سيطرة الشيطان، والخلاص من حكم الموت، ومن الخصومة التى بين الله والناس…
إذن طريق الخلاص قد بدأ بالبشارة.
ورآه سمعان الشيخ فى ميلاد المسيح. فقال للرب “لأن عينىّ قد أبصرتا خلاصك. أى أبصرتا موكب الخلاص، وموكب الرحلة من الميلاد إلى الجلجثة رآه بروح النبوة
بشارة حَملها ملائكة
البشارة إلى العذراء حملها رئيس الملائكة جبرائيل، نظرا إلى كرامة القديسة والدة الإله. إلى يوسف النجار، كانت فى حلم حيث ظهر له ملاك الرب وبشره. والبشارة بميلاد يوحنا المعمدان، كانت على يمين مذبح البخور مما يليق بزكريا الكاهن…
البشارة ليوسف كانت بعد الحبل المقدس. أما البشارة للقديسة العذراء، فكانت قبل ذلك. فلماذا؟
ما كان يليق أبداً أن تجد العذراء نفسها حبلى، وهى لا تدرى عن الأمر شيئاً، وإلا ستقع فى رعب عظيم يؤثر أيضاً على دمها ونفسيتها! إنما اللائق أن تعرف السرّ الإلهى أولاً وتستعد له بنفسية مستريحة… وأيضاً كان لابد أن تبشر أولاً لكى تؤخذ موافقتها على تقديم نفسها كوالدة فى سر التجسد الإلهى. فالله لا يرغمها على ذلك.
فلما استجابت العذراء للمشيئة الإلهية بعبارة “ليكن لى كقولك”، حينئذ بدأ الحمل المقدس…
أما يوسف النجار، فلم يكن من اللائق أن يُبشر قبل العذراء، وقبل أخذ موافقتها. وكذلك لمكانة القديسة العذراء.
ليكن لى كقولك
فى قصة البشارة نتذكر أمرين: الإختبار الإلهى، والإستجابة البشرية.
اختيار الله للعذراء مريم، واستجابتها بقولها “ليكن لى كقولك”..
أما اختيار الله فسببه معرفته بقداسة العذراء، وباحتمالها لهذا المجد العظيم. العذراء التى تربت فى الهيكل منذ طفولتها، فى حياة الصلاة والتأمل، وفى قراءتها للكتاب المقدس وحفظها لكثير من آياته. العذراء الطاهرة المحبة للبتولية..
وأيضاً العذراء المتواضعة التى يمكنها أن تحتمل هذا المجد العظيم دون أن يرتفع قلبها.
لم يكن سهلاً على فتاة أن تصير والدة للإله، إلا إن كانت متواضعة القلب جداً. فاحتمال الكرامة ليس أمراً سهلاً كما قال القديس الأنبا أنطونيوس “إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة”. إنما يحتمل الكرامة قلب متواضع. لذلك انتضر الرب حتى يجد هذا القلب المتواضع الطاهر ليبشره بالتجسد الإلهى.
وهكذا قالت القديسة العذراء فى تسبحتها “تبتهج روحى بالله مخلصى، لأنه نظر إلى اتضاع أمته” (لو 1: 48، 47). وعبارة “أمته” وليس أمه، تدل أيضاً على إتضاعها، وبخاصة بعد ان سمعت القديسة أليصابات تقول لها “من أين لى هذا، أن تأتى أم ربى إلى”؟! (لو 1: 43).
بعبارة (ليكن لى كقولك)، اتحدت مشيئة الله مع مشيئة القديسة العذراء. وبهذه العبارة بدأ الحمل المقدس.
وهكذا حلّ الروح القدس عليها. وقدّس مستودعها، حتى أن القدوس الذى يولد منها لا يرث شيئاً من الخطية الأصلية.
وبعبارة “ليكن لى كقولك” حل الكلمة (اللوجوس) أى الأقنوم الثانى فى بطن القديسة العذراء، واتحد اقنومياً بجسد كونه الروح القدس فيها لينمو نمواً طبيعياً حتى تتم ولادته.
وهكذا حلّ فى بطن العذراء المتواضعة (الكلمة) المتواضع، الذى أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (فى 2: 7).
كان يليق أن الإبن المتواضع، يولد من أم متواضعة.
لأنه بدون التواضع، ما كان يمكن أن يتم التجسد الإلهى. وبدون التواضع ما كان يمكن أن يتم الصلب والفداء بعد ذلك.
درس آخر هام، نأخذه من عبارة (ليكن لى كقولك).
بعبارة (ليكن لى كقولك) برهنت العذراء على حياة التسليم:
القديسة العذراء التى أحبت حياة البتولية وأنها “لا تعرف رجلاً، ما كنت تفكر فى يوم من الأيام أن تصير أماً، وكان هذا عجيباً فى عينيها. ولكن لما بشرها الملاك بالمشيئة الإلهية، لم تكن تملك سوى التسليم لإرادة الله، فقالت” ليكن لى كقولك “.
وهكذا فى عيد البشارة نتعلم درساً فى حياة التسليم.
فى قصة البشارة نرى هيبة ملاك الله.
عبارة “لا تخف” أو “لا تخافى” ظاهرة بوضوح.
ففى بشارة الملاك لزكريا الكاهن، قيل “فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سُمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك إبناً” (لو 1: 13، 12).
وفى بشارة الملاك للعذراء قيل “فلما رأته اضطربت من كلامه، وفكّرت ما عسى أن تكون تلك التحية. فقال لها الملاك لا تخافى يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله” (لو 1: 30، 29).
فى قصة البشارة أيضاً، نرى احترام جبرائيل الملاك للقديسة العذراء.
فإنه لما ظهرلها، قال “سلام لك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك مباركة أنت فى النساء” (لو 1: 28).
ويختلف هذا اللقاء، عن ظهور الملاك لزكريا الكاهن، وظهور الملاك ليوسف فى حلم. ففى كلا الظهورين لا تحية ولا مديح، كما فى الظهور للعذراء.
نلاحظ أن عبارة “مباركة أنت فى النساء” التى قالها الملاك للقديسة العذراء، قالتها لها أيضاً القديسة اليصابات فى لقائهما “(لو 1: 42).
نلاحظ أن تعجب زكريا من أن يكون له ابن، قوبل بعقوبة من الملاك جبرائيل (لو 1: 20)، بينما تعجب العذراء قوبل بالشرح والتوضيح.
لكرامة العذراء من جهة. وأيضاً لأن الميلاد البتولى كان الأول من نوعه وليست له سابقة. أما الميلاد من نساء عواقر وأزواج شيوخ حدث من قبل، كما فى ميلاد اسحق من ابراهيم الشيخ وزوجته سارة (ت 18: 12، 11). فلما تعجبت سارة من أن تلد فى شيخوختها، لم يعاقبها الرب، لأنه لم تكن هناك سابقة لذلك وقتذاك..
وعلى كل أجاب الملاك بقوله “لأنه ليس شئ غير ممكن لدى الله” (لو 1: 37). ليتنا نأخذ أيضاً درساً من عبارة الملاك هذه… درساً يدخل فى قلوبنا الرجاء، مهما كانت بعض الأمور تبدو صعبة أمامنا أو غير ممكنة!.. وهذا المبدأ الروحى واللاهوتى قاله السيد المسيح أيضاً فيما بعد: “عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله. لأن كل شئ مستطاع عند الله” (مر 10: 27).
فى قصة البشارة، يفرحنا أن الذى حمل البشارة ملاك.
المرأة الشونمية، حمل إليها البشرى أن يكون لها إبن، أليشع النبى الذى قال لها “فى هذا الميعاد نحو زمان الحياة تحتضنين إبناً” (2 مل 4: 19). وقد كان. أما هنا، فالذى يحمل البشارة ملاك، بل رئيس ملائكة، من أجل عظمة المولود.
قال الملاك للعذراء عن إبنها: هذا يكون عظيماً “(لو 1: 32).
وقال أيضاً “وابن العلى يُدعى”. كما قال لها أيضاً “لذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 35، 32). قال هذا قبل أن يشهد بهذه البنوة نثانائيل (يو 1: 49) ولا بطرس (مت 16: 16). وشهد الملاك فى بشارته للعذراء أن إبنها سيكون ملكاً، ويملك إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية (لو 1: 33). ولعل هذا يشبه أيضاً نبوءة دانيال النبى: حينما قال “سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول، وملكوته ما لن ينقرض” (دا 7: 14).
عيد البشارة يعطينا فكرة عن الأعياد فى فترة الصوم.
إنه دائماً يأتى فى الصوم الكبير، لأن شهر برمهات يكون دائماً فى فترة الصوم الكبير. ونحن لا نكسر الصوم الكبير لأى سبب من الأسباب. لذلك نعيد عيد البشارة ونحن صائمون صومنا النباتى، غير أننا نعافى من الانقطاع احتفالاً بهذا العيد السيدى. وايضاً لا تكون فيه مطانيات
.بشرى الخَلاص