قراءات الاحد الاول من شهر مسري
++ مقاومة الكرام (مثل الكرامين الأشرار)
+ لخّص السيِّد تاريخ الخلاص كلّه في هذا المثل، فيه أوضح محبّة الله المترفّقة، إذ غرس كرمًا وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة، وبنى برجًا، وسلّمه إلى كرّامين، وسافر.
لقد ائتمنهم على الكرم بعد أن قدّم لهم كل الإمكانيّات للعمل، لكن إذ أرسل عبيده يطلب ثمرًا، جلَد الكرّامون بعضهم، وقتلوا بعضًا، ورجموا بعضًا. وتكرّر الأمر في دفعة أخرى،
وأخيرًا “أرسل إليهم ابنه قائلاً: يهابون ابني. وأما الكرّامون فلما رأوا الابن قالوا بينهم: هذا هو الوراث، هلمّوا نقتله، ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه”
أولاً: “أبرز السيد المسيح تكريمه للإنسان من جانبين رئيسيين، الجانب الأول أنه شبّه الله – صاحب الكرم- بإنسان، مكرمًا إيانا بهذا التشبيه، أما من الجانب الآخر فهو حديثه عن تسليم الكرم لكرامين وسفره إلى بلد بعيد. الله لم يترك كرمه وينطلق إلى بلد بعيد مكانيًا لأنه حاّل في كل موضع فكم بالأكثر في كرمه، ولا رعويًا فإن عنايته قائمة بلا انقطاع، إنما قوله إنه مسافر إلى بلد بعيد إنما تعبير عن تقديسه للحرية الإنسانية، فقد سلم الكرم للكرامين، واهبًا إياهم كمال الحرية للتصرف كمن قد تركهم وانطلق بعيدًا لا لكي لا يسندهم،وإنما لا يلزمهم بسلوك معين في الرعاية. إنه لا يضغط على الرعاة ليسلكوا في رعايتهم لاإراديًا.
ثانيًا: ما هو الثمر الذي يطلبه صاحب الكرم من كراميه؟ يجيب الأب ثيؤفلاكتيوس: [ ماذا يربح الله منا إلا معرفته التي هي لنفعنا نحن.]
ثالثًا: من هم هؤلاء العبيد الثلاثة الذين سبقوا الوارث، الذين اضطهدوا الكرامين عوض تقديم الثمار لحساب صاحب الكرم؟
+ العبد الأول الذي أرسله الرب ليجمع لحسابه هو الناموس الطبيعي الذي وهبه الله للبشرية حتى قبل الناموس الموسوي، وقد كسر الإنسان هذا الناموس الطبيعي، الأمر الذي وضح بقوة في قتل هابيل، فقدم قايين رائحة الحسد الملطخة بدم برئ عوض الحب الأخوي، وقد عاش رجال الإِيمان قبل الناموس تحت ضيقات كثيرة من قِبل الأشرار.
+ العبد الثاني الذي بعث به الرب هو الناموس الموسوي على يدي موسى، ومع هذا فقد عانى موسى الأمرين من قبل اليهود بتذمرهم غير المنقطع. كما عاش الناموس الموسوي مُضطهدًا من كل القيادات اليهودية بتحويله من الروح إلى الحرف القاتل. فإن كان قادة اليهود قد ظهروا كغيورين على الشريعة ومحافظين عليها، إنما في المظهر الخارجي البرّاق، أما بحياتهم وسلوكهم فقد قتلوها وأفسدوا غايتها ورسالتها بتعليمهم الحرفي.
+ العبد الثالث الذي قدمه صاحب الكرم هو النبوة، فقد بُعث مجموعة من الأنبياء يحثوا الشعب على التوبة ويعلنوا عن مجيء المسيا المخلص، وكان نصيب الأنبياء الضيق والاضطهاد والقتل.
رابعًا: ربما يستصعب البعض دعوة السيد المسيح نفسه بالوارث، فهل مات الآب ليرثه الابن؟ حاشا، إنما تقدم الوارث لا ليسحب من الأب ماله، إذ ما هو للآب فهو للابن، لكنه دعي نفسه وارثًا بكونه قد ترك مجده بإرادته مخليًا ذاته ليكون ممثلاً لنا ونائبًا عنا، حتى متى مات السيد المسيح بالجسد وقام نال باسمنا ماله كميراثٍ لنا بشركتنا معه في المجد. لقد حمل هذا اللقب “وارثًا” كرأس للكنيسة لكي ترث باسم رأسها ومعه وفيه ما هو له. لذلك يقول القديس أمبروسيوس :[المسيح هو وارث وفي نفس الوقت وصي.]
خامسًا :يمكننا أن نفهم من العبارة التالية: “فلما رآه الكرامون، تآمروا فيما بينهم قائلين: هذا هو الوارث، هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث” [14]. أراد السيد المسيح أن يوضح لهم أن ما يرتكبوه ضده لا يتم عن عدم معرفةٍ، وإنما عن حسدٍ. إنهم خلال الناموس والأنبياء يدركون أنه المسيا، لكنه ليس حسب أهوائهم، لذا قتلوه عمدًا على الصليب.
سادسًا: يُفهم من العبارة: “فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه” [15]، من الجانب الحرفي أنه صُلب على جبل الجلجثة خارج أورشليم، كما يمكن أيضًا أن يُفهم بأن اليهود – وهو كرم الرب – سلموا الوارث لبيلاطس والجند الرومان ليقتلوه، سلموه خارج الكرم! ويمكننا أيضًا أن نفهم أن إخراجه خارج الكرم لقتله يعني رفضه.
سابعًا: جاء سؤال السيد المسيح لهم: “فماذا يفعل بهم صاحب الكرم؟!” [15]، لا لينتظر الإجابة فيبرر ما سيحل بها من هلاك وانتزاعهم من العمل الرعوي، فقد كانت الإجابة واضحة تمامًا ولا تحتاج إلى نقاش:
“يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين” [16]،
ثامنًا: إذ تحدث عن رفض الوارث وقتله خارج المحلة عاد ليعلن أنه الحجر المرفوض هو حجر الزاوية، إذ يقول: “الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه” [17-18].