عيد التجلى

تُعيِّد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم “الثالث عشر من شهر مسرى المبارك” بتذكار تجلي ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح على جبل طابور.

وكلمة  تجلّى الرب!  واللفظة اليونانية تعني تغيّر شكله .

   وهو أحد الأعياد السيدية الصُغرى، وفيه أخذ الرب تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد إلى جبل طابور ليصلى ” وفيما هو يصلى صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضاً لامعاً، وإذا رجلان يتكلمان معه هما موسى وإيليا، اللذان ظهرا بمجد وتكلموا عن خروجه الذي كان عتيداً أن يُكمله في أورشليم ” (لو 9: 29 – 31).” مما جعل بطرس يقول ليسوع يا رب جيد أن نكون ههنا، فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة. وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظَلَّلَتْهُمْ وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا، ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا لا تخافوا، فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده.” (مت 17: 4 – 8) .

ويعد جبل طابور هو الجبل الأعلى فى القسم الجنوبي للجليل الأسفل شمال مرج ابن عامر فى فلسطين، ويبلغ ارتفاعه حوالى 588 مترا فوق سطح البحر

تجلي الرب في العهد القديم

  في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وفي برية سيناء استدعى الرب موسى إلى الجبل ليعطيه الشريعة على لوحتين حجريين – موسى هذا النبي العظيم الذي شق البحر الأحمر وقاد شعب الله من مصر وتاه به عبر الصحارى 0 لبى موسى دعوة وصعد إلى الجبل وفجأة غمرت الغمامة الجبل ومجد الرب استقر عليه  الرب من وسط الغمامة وكان منظره كنار آكلة , فاقترب موسى ودخل في الغمامة وبقي 40 يوما وأربعين ليلة ( خروج 24 : 12 – 18)
طلب موسى من الرب أن يظهر لـه مجده فأجابه الله “…. لا تستطيع أن ترى وجهي لأنه لا يراني إنسان ويعيش … قف على هذه الصخرة وإذا مر مجدي أظللك بيدي حتى أجتاز ثم أزيل يدي فتنظر قفاي وأما وجهي فلا يرى ” .( خروج33 : 21 و 22 )وهكذا فعل الرب , فمر قدامه قائلاً : ” الرب إله رحيم ورؤوف ، طويل الأناة كثير المراحم ”  انحنى موسى وسجد أمام حضرة الله


    أما في القرن التاسع قبل الميلاد ظهر للنبي إيليا وكان غاضباً , لأن ملوك اسرائيل بدؤا يعبدون إله بعل فدافع إيليا عن الإله الحي ووبخ الملوك بشجاعة ، ثم سار هارباً من غيظ الملكة إيزابيل . ليظهر أمامه ملاك الرب فيقدم لـه الخبز والماء ويأمره بأن يتابع السير .حيث مشى ايليا أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى وصل إلى جبل حوريب وأمره الله أن يقف علي الجبل وحدثت رعود وزلزله ونار ولكن بعدها صوت هادئ منخفض هو صوت الله .

ما هو معنى وأهمية التجلي في العهد الجديد ؟

  وفي العهد الجديد أخذ المسيح بطرس ويعقوب ويوحنا معه وصعد الجبل ليصلي بعد حوالي أسبوع من وقت أن أخبر التلاميذ بوضوح عن آلامه وموته وقيامته (لوقا 9: 22).       عرض بطرس الذي كان خائفاً ولم يكن يعلم ما يقوله أن ينصب ثلاث مظال (خيمات) لهم. هذه كانت بلا شك إشارة إلى المظال المستخدمة في الإحتفال بعيد المظال حيث كان شعب إسرائيل يقيمون في مظال لمدة سبعة أيام العيد (لاويين 23: 34-42). كان بطرس يعبِّر عن رغبته في البقاء في ذلك المكان. وعندما غطتهم سحابة سمع صوت يقول: “هذا هو إبني الحبيب. له إسمعوا.” ثم إرتفعت السحابة وإختفى موسى وإيليا وظل يسوع وحده مع تلاميذه الذين كانوا مازالوا خائفين. ثم حذرهم يسوع من أن يخبروا أحد ما رأوه حتى يقوم من الأموات. ونجد تسجيل لهذا الحدث في ( متى 17: 1-8 و مرقس 9: 2-8 و لوقا 9: 28-36 )

   وهنا نرى صورة رائعة للملكوت، فالله ليس إله أموات بل إله احياء. وفى المجد سننعم كلنا بهذه العشرة الحلوة مع المسيح، هو فى مجده ونحن معه فى المجد فى فرح أبدى، هو يفرح بالبشرية ونحن نفرح به. هناك حوار بين موسى وإيليا وبين المسيح، وهذا ما سيحدث لنا فى السماء، فلن نكون منعزلين عنه، بل فى علاقة حب وحوار ومعاملات حلوة وأبدية. وهذا ما يمكننا أن نختبره من الآن، فالحياة الأبدية تبدأ هنا والملكوت هو فى داخلنا، نحن نحصل الآن على العربون، عربون عشرة المسيح المفرحة.
بلا شك إن الهدف من تجلي المسيح هو شيء يسير من مجده السماوي كان لكي يفهم تلاميذه “المقربين” من هو يسوع بصورة أفضل. لقد تغيرت هيئة المسيح بصورة درامية لكي يتمكن تلاميذه من رؤيته في مجده. فالتلاميذ الذين كانوا قد عرفوه فقط في جسده البشري أدركوا الآن ألوهية المسيح رغم أنهم لم يفهموها بالكامل. وهذا أعطاهم الثقة والتوكيد اللذين كانوا بحاجة إليهما بعد أن سمعوا الأخبار المفزعة عن موته المتوقع.

شخصيات جبل التجلي

  والسيد المسيح فى اختياره للتلاميذ الثلاثة ليس عن تمييز لباقى التلاميذ، ولكن ليرسل لنا رسالة بأن القديس بطرس يرمز للإيمان

ذكر أنَّ القديس يعقوب يمثل الجهاد، بينما القديس يوحنا يرمز للمحبة، وكأن الله يقصد أنه بدون الإيمان والجهاد والمحبة لا يمكننا معاينة السماء

    ويرمز ظهور موسى وإيليا إلى الناموس والأنبياء. ولكن صوت الله من السماء قائلاً: “إسمعوا له!” أظهر بوضوح أن الناموس والأنبياء يجب أن يفسحا الطريق للمسيح. فهو الطريق الحي الحديث الذي يستبدل القديم، هو إتمام الناموس وتحقيق نبوات العهد القديم. كما رأى التلاميذ في شكله الممجد صورة مسبقة عن تمجيده وملكه كملك الملوك ورب الأرباب.

لم ينسى التلاميذ أبداً ما حدث على الجبل في ذلك اليوم وهذا بلا شك كان هو الهدف مما حدث. كتب يوحنا في إنجيله يقول: “… وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ…” (يوحنا 1: 14). كتب بطرس أيضاً عن هذا: “لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَه. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللَّهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْداً، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهَذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ” (بطرس الثانية 1: 16-18). الذين شهدوا التجلي حملوا الشهادة للتلاميذ الآخرين وإلى الملايين عبر الأجيال والقرون.

إن السيد المسيح بتجليه هذا أراد أن يظهر لنا مجده في ملكوته السمائي. ولما جاء موسى وإيليا كانا يكلمانه عن خروجه المزمع أن يكمله في أورشليم، أي عن صلبه الذي أكمل به الفداء والخلاص، فالصلب لم يبارح عيني الرب حتي في لحظات تجليه.

ولمجيء موسى وإيليا معان كثيرة فموسى يمثل الناموس وإيليا يمثل الأنبياء. موسى يمثل المتزوجين وإيليا يمثل البتوليين. موسى يمثل الذين رقدوا وإيليا يمثل الأحياء. كما أن كلاهما صام أربعين يوماً كما أن السيد المسيح صام أربعين يوماً وهكذا اجتمع الصوامون على جبل التجلي. وقد أخذ الرب تلاميذه الثلاثة لكي يكونوا شهود عيان على هذه الحادثة. وبعد انتهاء التجلي وفيما هم نازلون من الجبل أوصى الرب تلاميذه أن لا يحدثوا أحداً بما أبصروا إلا بعد أن يقوم من بين الأموات (مر 9: 9).

عيد التجلّي… إعلان ألوهيّة المسيح

جاء حدث تجلّي الربّ يسوع الذي يورده الإنجيليون الثلاثة، وهم متى ومرقس ولوقا، بصورة مشابهة فهذا الحدث الممجّد يقع في منعطف رئيسيّ من حياة يسوع العامة

يخبرنا الكتاب المقدّس كيف بادر السيد المسيح وأخذ ثلاثة من تلاميذه، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، أي بعيدًا عن ضجيج العالم، حيث يسود الصمت والسكون، فاستطاعوا ارتقاء حالة من النورانيّة تعجز الكلمات عن وصفها، فهم أبصروا ما لم تره عين ولم تسمع به أذن!…  إذ تغيّرت ملامح المسيح أمامهم وأضاء وجهه كالشمس وأصبحت ثيابه بيضاء مثل النور. وكان النور الذي يشعّ من وجهه قويًّا إلى درجة ظنّ فيها بطرس أنّه واقع تحت تأثير الشمس، لكن الحقيقة في جوهرها اللاهوتي هي أبعد من ذلك، وتكمن في أنّ التلاميذ رأوا في خلال وقت قصير نور المجد الإلهيّ، وهو النور الأزليّ غير المخلوق الذي ينير كلّ تاريخنا ويقودنا صوب الخلاص الأبدي

لقد تجلى الرب على الجبل كي يظهر نفسه لتلاميذه، اضاء كالشمس وبدا يسوع نور، لا بل هو مصدر النور الحقيقي. ان التجلي حصل على ثلاثة مراحل
المرحلة الاولى،   تغيرت هيئة الرب يسوع
المرحلة الثانية،   اضاء وجهه كالشمس
المرحلة الثالثة،   صارت ثيابه بيضاء كالنور
حدث مشهد تجلّي الربّ على الجبل الذي يرمز إلى النقطة التي تلتقي فيها الطبيعة الإنسانيّة مع الله الخالق، ويؤكّد لنا القديس بولس الرسول أننا «نَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد، وهذا مِن فَضْلِ الرَّبِّ الذي هو روح» (2 كو : 3- 18). وهذا المشهد أُعطي للتلاميذ أنفسهم الذين سيشاهدون صلاة يسوع ونزاعه في جبل الزيتون.
وهنا التلاميذ صعدوا أولاً على جبل لكى يتجلى أمامهم.
ولكى نعاين نحن مجد الرب يجب أن ندرب أنفسنا أن نحيا فى السماويات، وتكون لنا خلوة هادئة باستمرار نتأمل فيها فى الكتاب المقدس، ونرتفع فوق شهوات العالم ورغبات الذات لنحقق وصية بولس الرسول ” فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق.. إهتموا بما فوق لا بما على الأرض.. اميتوا أعضاءكم التى على الأرض (كولوسي1:3-5″). وتأملنا فى كلمة الله المكتوبة فى الكتاب المقدس تكشف لنا عن كلمة الله أى المسيح، وكلما عاشرناه نحيا فى السماويات كمن يرتفع فوق جبل.

روحانية عيد التجلي

وعبارة “هذا هو ابنى الحبيب له اسمعوا” والتى تكررت فى المعمودية  وأيضًا الآية فى العهد القديم “هذا فتاى الذى اخترته حبيبى الذى سرت به نفسى”، فلنسأل أنفسنا: “هل حياتنا وأفعالنا تسر قلب الله ؟
التلاميذ يمثلون الكنيسة المجاهدة، موسى وإيليا يمثلون الكنيسة المنتصرة، وهذا يدل على اتصال الكنيسة بالسمائيين وشركتهما الواحدة
يسمى جبل الطابور بجبل التجلى أيضا حيث تجلى يسوع المسيح أمام التلاميذ وظهر معه موسى وإيليا
— الجبل يشير إلى الإيمان حيث يذكر الكتاب المقدس يذكر عدة جبال ولكل جبل ذكرياته المقدسة التى تجعل الإنسان يسبح فى تأملات كثيرة
— التجلى هو رجوعنا الى الصوره الإلهيه كان أدم وحواء مخلوقين على صوره الله ومثاله فى النقاوه والبراءه والبساطه ولكن التجلى فى الأبديه سيكون بطريقه اسمى من هذه الصوره اذ سيتخلص البشر من ماديه الجسد ويصيرون روحانيين ويقتربون بالأكثر الى صوره الله
— التجلى هو حياه النقاوه موسى عندما رأى العليقه مشتعله ولاتحترق ” فقال موسى اميل لانظر هذا المنظر العظيم ” فكان صوت الرب له ” اخلع حذائك من رجليك لان الموضع الذى انت واقف عليه ارض مقدسه ” لكى نتمتع بالتجلى يجب على الانسان خلع الحذاء اى خلع نجاسه الفكر ورداءه القلب حتى يستطيع الإنسان الإلتصاق بالله لذلك نصلى فى صلاة الصلح قائلين ” طهرنا من كل دنس ومن كل غش ومن كل رياء ومن كل فعل خبيث ومن تذكار الشر الملبس الموت ” وايضا فى صلاه القسمه نطلب قائلين  ” كل فكر لا يرضى صلاحك يالله محب البشر فليبعد عنا .

ماذا يعني مجد الرب ؟
مجد الرب عند موسى نار متميزة والغمامة التي تصطحبه وتحيطه والتي تشير إلى حضرة الله وعند إيليا مجد الرب نسيم عليل يشير إلى الصداقة الودودة التي يهيئها الله لمحبيه .
من اقترب من مجد الرب استمد من نوره وشع وجهه كما حصل مع موسى الذي ظهر وجهه مشرقاً لامعاً بعد مقابلة الله فاضطر لاستعمال البرقع .(خروج 34 : 35 )
وإذا بمجد الرب أتى إلى الهيكل ” 0ثم بدأ هذا المجد يتضح شيئاً فشيئاً وبدأ خياله يأخذ صورة شبه إنسان0 نعم لقد رأى حزقيال مجد الرب عائدا إلى شعبه بصورة ابن البشر . ( حزقيال 1 : 27)

طوباك أيها الجبل ، بك زُيح ابن الله وتجلى مجده البهي . وقد أعطاك قوة لتستطيع أن تحمله .
طوباكم أيها التلاميذ أي كرامة عظيمة منحكم الصالح وربكم الحقيقي  تشاهدون لاهوته المخفي بجسده , ونوِرتم بالروح القدس وسمعتم صوت الآب . طوبى لآذانكم التي سمعت ” هذا هو ابن الحبيب الذي به سررت ” .ورأيتم منظره السرمدي الإلهي . وفي الغيمة المضيئة البهية قابلتم وجهه الممجد البهي , وصرتم شهودا للمولود من الآب .

ايها الرب الهنا، نسألك من أجل كنيستك  لتعلن مجدك فيها ويراه كل بشر، ونطلب عن كل نفس فيها ليتمجد أسمك القدوس فى حياتنا وباعمالنا واقوالنا، نسألك من اجل بلادنا لتشرق بسلامك وبرك فيها وتباركها بكل بركة روحية لتكون نورا للعالم ومصدراً للاشعاع الروحى والفكرى والحضاري فى كل الارض …..آمين.