روحانية صوم الميلاد

صوم الميلاد هو رحلة استعداد. تستعد الكنيسة وتهيئ شعبها لاستقبال الكلمة المتجسد ليحل بالإيمان فى قلوبنا وندرك عظمة هذا السر (الله ظهر في الجسد). فالصوم هو وسيلة روحية نقترب بها من الله ونتوب عن الخطايا والضعفات التي تبعدنا عن الله ، وندرب أنفسنا على الشبع بكلمة الله والفرح بمحبته.
وقد رتبت الكنيسة أن يكون مدته 43 يوم ينتهي دائمًا في 29 كيهك أي 7 يناير (ويقع في 28 كيهك في السنوات الميلادية الكبيسة) وهذه المدة تشمل الآتي:
• 40 يوم تصومها الكنيسة لاستقبال ميلاد يسوع المسيح كلمة الله الحي، كما صام موسى 40 يوم قبل أن يتسلم كلمة الله المكتوبة.
• 3 أيام تذكار معجزة نقل جبل المقطم في وقت القديس سمعان الخراز كما صام آباؤنا فتحنن الرب عليهم.
فقد صام موسى النبي استعداداً وتكريساً للقلب لكي ما يستلم بين يديه لحساب شعبه وصايا الله التي هي كلمة الله الحية. صام لأهمية وقدسية الوصية، واستعداداً لما سيناله هو وشعبه من بركات من خلال هذه الوصايا.
إن كان لوحا العهد اللذان حملهما موسى النبي هما كلمة الله ووصيته لشعب الله، فالمسيح هو كلمة الله المتجسد بين البشر، وعندما استلم موسى النبي لوحي الشريعة ابتدأ شعب إسرائيل ينعم بمعرفة الله من خلال الوصية المكتوبة، ونحن أيضاً عندما تجسد ابن الله الكلمة تمتعنا بمعرفة فائقة لله. وإن كان استلام لوحي العهد احتاج استعداداً من موسى النبي بالصوم والصلاة، فبالأولى نحتاج نحن أيضاً للاستعداد بالصوم والصلاة لنتمتع ببركات تجسد الرب يسوع، وحضوره بنعمته في قلوبنا، لأنه هو الكلمة الأزلي كقول الكتاب عنه: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابنهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب١ : ١-٢).
لذلك فنحن ننتهز فرصة ذكرى ميلاده لنستعد بالصوم والصلاة والتسبيح وتمجيد ابن الله الكلمة المتجسد خلال ليالي شهر كيهك، لنتمتع بنعم معرفته وحضوره التي لا تحد…
وفي هذا العام يبدأ الصوم الميلادي يوم الأحد الموافق الأحد الثالث من شهر هتور المبارك ، التي رتيت فيه الكنيسة قرائة أنجيل القداس من معلمنا لوقا 14 ( 25 – 35 ) ، وفيه يقول السيد المسيح ” ومن منكم وهو يريد أن يبني برجا لا يجلس أولا ويحسب النفقة ، هل عنده ما يلزم لكماله، لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يكمل ، فيبتدئ جميع الناظرين يهزأون به ” . فما هذا البرج الذي يٌبني في بداية الصوم ؟! الأ الايمان بسيد المسيح – الله الظاهر في الجسد – كما أوضحنا في البداية. و النفقة كما ذٌكٌر في أنجيل القداس أيضاً أولاً هي محبة ربنا أكثر من أي أحد ” إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته ، حتى نفسه أيضا ، فلا يقدر أن يكون لي تلميذا ” . وثانياً هي حمل الصليب ” ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذا ” . هذا البرج ( الأيمان ) الذي لايدرك عظته وقوته الحكماء و الفهماء كما أوضح أنجيل عشية من معلمنا متي 11 ( 25 – 30 ) ” أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض ، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال ” .فأعلموا يا أحبائي ان هذا البرج يحتاج لبنائة عمل بأيمان ، تعب بمحبة ، صبر برجاء كما قال معلمنا بولس الرسول في بولس القداس ” متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم ، وتعب محبتكم ، وصبر رجائكم ” (1 تسالونيكي 1 : 1 – 12 ). يحتاج الي قلب قد ترك أرادة الأمم كما ذكر في الكاثوليكون ” لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا لنكون قد عملنا إرادة الأمم ، سالكين في الدعارة والشهوات ، وإدمان الخمر ، والبطر ، والمنادمات ، وعبادة الأوثان المحرمة ” ( 1 بطرس 4 : 3 – 11). هذا البرج ( الأيمان ) لا يستطيع أحد أن ينقضة فقال غمالائيل معلم الناموس لليهود ” لا تقدرون أن تنقضوه “.

الرب يجعل هذه الأيام سبب بركة لنا أجمعين
ولألهنا المجد و الكرامة في الكنيسة المقدسة الي الأبد ، أمين.