الطريق للحب الإلهي
” هذه المرأة أحبت كثيرا”
كيف نعيش ونتذوق ونشبع بالحب الإلهي ؟
١ – المبادرة وإغتنام الفرصة رغم كلام الناس
“وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِيٍّ فِي بَيْتِ الْفَرِيسِي، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيب “لو ۷: ۳۷
كانت هذه المرأة مشهورة بخطيتها ، التي غالبًا كانت الزنا، فأتت دون دعوة إلى بيت الفريسي لتقدم محبتها للمسيح الذي سمعت عنه، وقد تكون رأته وسمعته قبلًا، وحملت معها زجاجة رائحة طيبة. وهذه طبعا غير مريم أخت لعازر، التي سكبت الطيب على
المسيح في بيت عنيا بجوار أورشليم، لأن المكان هنا في الجليل والمرأة هنا خاطئة واعترض الحاضرون على اقترابها من المسيح لخطيتها ، أما مريم أخت لعازر فاعترض عليها الحاضرون لارتفاع قيمة الطيب وأحقية الفقراء به أكثر من المسيح. وهنا في بيت سمعان الفريسي أما الأخرى فكانت في بيت سمعان الأبرص
(مت ٢٦-٦- ۱۳؛ مر ١٤ ٣-٤٥ يو ١٢: ٣-٨)
“فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةً مَنْ حَبِلَتْ بِي.” (نش 3: 4).
*أرخه: أمسكه بتهاون.
“فما جاوزتهم إلا قليلا” “حتى وجدت من تحبه نفسى”
إذ نضجت مشاعر العروس، وإزدادت أشواقها بإرشاد الحرس الطائف، سعت باهتمام نحو عريسها، فلم تتعلق بالحرس الطائف، ولكنها تعلمت منهم الطريق إلى العريس،
فاستطاعت بعد قليل أن تصل إليه، وهذا بين أمرين:
1. أهمية الجهاد الروحي، والسعى نحو العريس.
2. أهمية الإرشاد الروحي، وطاعة المرشدين، الذين هم الكهنة والخدام؛ لأنهم قريبون من العريس، وخبرتهم كبيرة ، فيساعدون المجاهدين روحيًا.
ظهرت حكمة المرشدين الذين حرصوا على توجيه العروس لعريسها، ومنعها من التعلق بهم، فأطاعتهم، وكان لابد أن تتجاوزهم لتركيزها على عريسها، إذ تطلب حبه من خلال الصلاة والتأمل، فاستطاعت أن تجده، وتتناول من الأسرار المقدسة، وتتمتع برؤيته والاتحاد به.
” فأمسكته ولم أرخه”
عندما وجدت العروس عريسها، لم تستطع أن تعبر عن حبها له، إلا بأن تمسك به بشدة، وهذا لما يلي:
١ . أشواقها الكثيرة جدا نحوه لطول حرمانها منه في الفترة الماضية، التي كان فيها التراخي على الفراش أو البحث في أماكن بعيدة عنه في المدينة، والشوارع والأسواق.
۲ . لأن العروس تعبت كثيرًا في البحث عن عريسها، وذاقت مرارة الحرمان منه وإذ کرهت فتورها وتهاونها السابق أمسكت بعريسها، وإمساكها به كان تعبيرًا واضحًا عن معاناة جهادها الاسبق بل ووعد عملى بأنها لن تتركه أبدًا، أي لن تعود إلى تكاسلها وتراخيها السابقين.
٣. لعل الإمساك الشديد بعريسها كان من خلال تمسكها بقانون روحي في الصلاة والصوم والقراءة والتلمذة، والوجود مع عريسها بكل شكل.
“حتى أدخلته بيت أمي”
١ . بيت أمى هو الكنيسة بيت الله فالعروس محتاجة للاستقرار في أحضان عريسها داخل کنیسته؛ ليستمر تمتعها به طوال حياتها.
۲ . قالت العروس أنها أدخلت عريسها، مع أن العريس هو المخلص الفادي، رأس الكنيسة، الذي يدخل أولاده إلى كنيسته، ولكنها هنا تعبر عن إرادتها، وإصرارها، واحتياجها للعريس، فهي تمسك به، وتدخله إلى بيته الذي هو الكنيسة؛ لترتمى في أحضانه. فإن كان عمل النعمة هو الأساس فى الخلاص، ولكنه لا يلغى أهمية وضرورة الجهاد الروحي المتمثل في إدخال العروس عريسها.
3. كمال العلاقة بين العريس والعروس، فالعلاقة الشرعية الوحيدة بينهما هي داخل الكنيسة، وأي مشاعر، أو علاقة بين العريس وعروسه هي تمهيد للدخول إلى الكنيسة، فلا خلاص خارج الكنيسة كما قال القديس أوغسطينوس.
٤ . إن العريس هو الذي أدخل عروسه إلى الكنيسة، كما أعلنت العروس في الاصحاح الأول “أدخلنى الملك إلى “حجاله نش (١ (٤) . ولكن تراخى العروس وتهاونها هو الذي أخرجها من الكنيسة، وعندما شعرت بفقدها للعريس، وحرمانها منه جاهدت، وسعت نحوه؛ حتى وجدته وأدخلته إلى الكنيسة، أي أدخلت نفسها إلى أحضانه معلنة توبتها عن الفتور والتراخي السابق (ع۱).
ه. إدخال العروس لعريسها إلى الكنيسة إعلان لكل إخوتها المؤمنين بأن العريس حنون، ورؤوف، وغافر الخطايا، وها هو يقبلها ثانية عندما أتت إليه في توبة؛ لتشجع الكل على التوبة والجهاد الروحي، فيجدوا مكانهم في أحضان العريس.
“وحجرة مَنْ حبلت بي”:
۱. هذه الحجرة التي تم الحبل بالعروس فيها هي جرن المعمودية، حين ولدتها الكنيسة في الميلاد الثاني من خلال الخلاص الذي أتمه العريس على الصليب من أجل عروسه.
۲ . تذكر العروس ما حدث معها في المعمودية ينبهها إلى الطبيعة الجديدة، التي نالتها في سر المعمودية؛ لتحيا مع عريسها حياة جديدة وتنمو، وتعوض كل ما فاتها مع عريسها.
3 . الطبيعة الجديدة التي نالتها العروس في المعمودية تشير إلى العلاقة الخاصة بين العريس وعروسه في أعماق قلب العروس، فالعروس تريد أن تعود بعريسها إلى الحالة الأولى بعد المعمودية، فيدخل إلى قلبها، ويعمل فيه بحرية، فمكانه الطبيعي في الداخل، وليس خارج العروس، هناك تختبر أمورًا لا يعبر عنها من عظم جمالها، وهي عربون ملكوت السموات.
2- التوبة الدائمة
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «أَتَنْظُرُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لَأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا.” (لو ٧: ٤٤).
فالفريسي
[١] لم يقم بواجبات المضيف من غسل الأرجل فكانوا يلبسون صنادل فتتسخ أرجلهم من التراب.
[٢] الدهن بالزيت لإنعاش الضيف.
[۳] التقبيل (أي إبداء مشاعر المحبة ملحوظة : الزيت يحتوي على عطور للإنعاش).
والمرأة
[۱] غسلت قدمي السيد ومسحتهما بشعرها
[۲] دهنت قدميه بالطيب
[٣] قبلت قدميه. وما سبب هذا العطاء؟ الحب الذي ملأ قلبها وما سبب هذا الحب؟ شعورها بغفران السيد لها، ولاحظ أنها ما كانت ستشعر بحب السيد وغفرانه إلا لو كانت قد انفتحت عيناها على خطاياها، بل وعلى محبته وغفرانه .لها.
والسؤال كيف أدركت هذا الحب؟ لا نعرف. فالله له طرقه الخاصة التي تختلف من إنسان لإنسان. وهو أعطى لها من محبته (ربما) في هذا اليوم أو قبل هذا اليوم فصارت تسير وراءه) ما جعلها تفهم أنه غفر لها فأحبته. أما الفريسي المعجب بنفسه، فهو يرى أنه كامل بلا خطية وبالتالي فهو لا يحتاج لغفران، ولذلك فمحبته محدودة. ولاحظ أن محبة المرأة كانت أيضًا لإيمانها بأن المسيح غفر ، وله سلطان أن يغفر = إيمانك قد خلصك.
“وَمَزَقُوا قُلُوبَكُمْ لَا ثِيَابَكُمْ». وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّأْفَةِ وَيَنْدَمُ عَلَى الشَّرِ.” (يوء ۲: ۱۳).
في هذه الدعوة يعلن الآتي:
أ- التوبة في جوهرها هي “رجوع إلى الله”
ليس مجرد ندامة على الخطية أو توقف عن الإثم، إنما في إيجابيتها رجوع إلى الأحضان الإلهية، فنعطي الله الوجه لا القفا… لهذا يؤكد الله سماته الخاصة بعلاقته بنا أنه رؤوف رحوم بطيء الغضب وكثير الرحمة.
وكما يقول القديس كبريانوس:
يستطيع أن يصفح مترفقًا بالخاطئ الذي يعمل سائلا الرحمة]. لقد استخدم الله كل وسيلة ممكنة للتعبير عن محبته للإنسان وترفقه به لكي يعود إليه فيجد فيه الأحضان الأبوية التي لا تغلق قط أمام الراجعين
يقول القديس أمبروسيوس:
ليته لا يخف أحد من الهلاك، مهما كانت حالته، ومهما كان سقوطه، فسيمر عليه السامري الصالح الذي للإنجيل، ويجده نازلاً من أورشليم إلى أريحا، أي هاربًا من آلام الاستشهاد إلى التمتع بملذات العالم مجروحًا بواسطة اللصوص… مطروحًا بين حي وميت، هذا السامري الصالح الذي هو رمز للسيد المسيح، الذي هو حارس للأرواح، لن يتركك إنما يتحنن عليك ويشفيك].
إن كان الله هو الذي يسمح بالتأديب – الذي نراه شرًا – فإننا إذ نرجع إليه يندم على الشر”. وكما يقول الأب ثيودور اعتاد الكتاب أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصلي، فيستخدم كلمة “الشرور” عن “الأحزان والضيقات” ليس لأنها شر أو طبيعتها شريرة، بل لأن من تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يعتبرونها شرًا فحينما يتحدث الحكم الإلهي مع البشر يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية].
ب. الرجوع بكل القلب:
كثيرون يرجعون إلى الله وقت الضيق لكن ليس بكل القلب، فاذا ما رُفع الضيق عادوا فورًا إلى شرهم الأول، وربما إلى حال أشر ، كما كان فرعون الذي دعا موسى وهرون وسألهما أن يصليا عنه وعن شعبه، فيطلق الشعب ليذبح للرب (خر ۸: (۸) لكن
“لما رأى فرعون أنه قد حصل الفرج أغلظ قلبه ولم يسمح لهما كما تكلم الرب”
ليكن رجوعنا إلى الله بكل القلب، يسندنا في ذلك الصوم والبكاء والنوح… وكأن الجسد يشترك مع النفس في الرجوع إلى الله، معلنا ذلك بالصلاة والصوم والدموع. في هذا يقول القديس أمبروسيوس: اليت هؤلاء الذين يتوبون يعرفون كيف يقدمون التوبة، بأية غيرة، وبأي مشاعر، وكيف تبتلع كل تفكيره، وتهز أحشاءه الداخلية، وتخترق أعماق قلبه، إذ يقول إرميا النبي
“أنظر يا رب فإني في ضيق، أحشائي غلت، ارتد قلبي في باطني”
(مرا ۱: ۲)].
ويقول:
“شيوخ بنت صهيون يجلسون على الأرض ساكتين، ويرفعون التراب على رؤوسهم، يتمنطقون بالمسوح تحني عذارى أورشليم رؤوسهن إلى الأرض، كلت من الدموع عيناي غلت أحشائي، انسكب على الأرض كبدي مرا) ۲-۱۰-۱۱). هكذا أيضًا أهل نينوى حزنوا فهربوا من هلاك مدينتهم (يونان) (۳ (٥) يا لقوة مفعول هذا الدواء الذي للتوبة، حتى ليبدو كأنه يغير نيّة الله !].
اظهر جراحاتك للطبيب فيشفيك… أزل آثار جروحك بالدموع فإن هذا هو ما صنعته المرأة المذكورة في الإنجيل، فأزالت بذلك نتانة خطاياها. لقد غسلت خطاياها بغسلها قدمى المخلص بدموعها].
لا تقف التوبة عند المظهر الخارجي، إنما يلزم أن تمس القلب الداخلي، القلب كله… “مزقوا قلوبكم لا ثيابكم”.
وكما يقول القديس كبريانوس
أسالكم أيها الإخوة الأعزاء أن يعترف كل واحد بخطاياه التي ارتكبها في هذا العالم… لنرجع إلى الرب بكل القلب، ونعبر عن توبتنا عن خطايانا بالحزن الحقيقي، متوسلين إلى رحمة الله، لتنحن نفوسنا قدامه، ليشفع حزننا أمامه، ليكن كل رجائنا فيه، فقد
أخبرنا كيف نسأله… لنرجع إلى الرب بكل قلبنا ، ونطفئ غضبه وسخطه بالصوم والبكاء والحزن كما نصحنا هو بنفسه].
ج. في قوله: “لعله يرجع ويندم” لا يعني عدم اليقين، وإنما علامة الوقوف أمام الله بتذلل وانسحاق
مترجين رحمته، فالله يطلب في توبتنا الاتضاع، إذ ذبائح الله هي روح منكسرة، القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره” (مز (١٧:٥١)
إنه يندم لا بمعنى تغيير فكر الله، وإنما بمعنى الحب، كالأب الذي يؤدب ابنه بحزم متظاهرًا بالقسوة لعل ابنه يعود إليه، فيعود إلى ابنه إنه حتى في لحظات حزمه لا يحتمل دموع الابن وعلامة ندمه أنه يترك وراء التأديب بركة لا غضبًا، فيقبل من ابنه التقدمة والسكيب علامة رضاه عنه وقبوله فيبقى وراءه بركة تقدمة وسكيبًا للرب إلهكم” [١٤].
د. التوبة تمارسها الجماعة كلها،
الشيوخ والأطفال والرضع والمتزوجون حديثًا والكهنة وخدام الرب. إن كانت الخطية قد امتدت إلى الجميع لذا يليق أن يشترك الكل معا، ويسند البنيان بعضه البعض في حياة
التوبة. يتحدث إرميا النبي عما فعلته الخطية بالرضع: لصق” لسان الراضع بحنكه من العطش، الأطفال يسألون خبرًا وليس من يكسره لهم” (مرا ٤ ٤)…
وفي رحمة الله بنينوى كان للأطفال اعتبارهم الخاص لديه، إذ يقول:
“أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشر ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة؟!” (يو ٤: ١١).
هـ . يشترك الكهنة مع الشعب في التوبة بكونهم خدام الرب بين الرواق والمذبح، عملهم الرئيسي خدمة الرب خلال المذبح، أي في المسيح الذبيح. إنهم يخدمون خلال الصلاة الدائمة والشفاعة عن الشعب، قائلين:
اشفق يا رب على شعبك ولا تسلم ميراثك للعار حتى تجعلهم الأمم مثلا، لماذا يقولون بين الشعوب أين إلههم؟!” [١٧].
3- الشكر الدائم
“قُبْلَةً لَمْ تُقَبِلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ.” (لو ٧: ٤٥).
من واجبات الضيافة إظهار المحبة بتقبيل الضيف في رأسه أو خده، وهذا أيضا قصر فيه سمعان، فأكملته هذه المرأة باتضاع شديد بتقبيلها لقدمى المسيح، ليس فقط قبلة واحدة بل قبلات كثيرة تعلن عن محبتها وأشواقها.
اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ ، لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحَ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ.” (۱) تس ٥: ١٨)
الشكر في كل شيء نابع من معرفتنا أن كل الظروف التي نجتازها بما فيها من آلام وضيقات تأتي لنا من الله. فالله هو الماسك بزمام الأمور وقد يسمح أحيانا بأمور غير سارة لخيرنا “كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله ” ( رو۸ ۲۸). فإذا أردنا أن نتمم مشيئة الله من جهتنا ونفرح قلبه، فعلينا أن نحيا حياة التسليم ونشكره على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال. والشكر على كل شي هو سمة السمائيين الذين إذ يدركون أن الله كلي الحكمة والحب يشكرونه من أجل صلاحه وتدبيره.
+ المسيحي الحقيقي يشعر بالضعفاء ويسارع إلى نجدتهم وشد أزرهم بلا ضيق أو احتقار لأن المحبة هي التي تحركه نحو الكل، فلا يفكر في نفسه بل في الآخرين أولاً ويشعر بأبوته الروحية ويهتم بخلاص الكل.
شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِلَّهِ وَالْآبِ.”
(أف ٥: ٢٠).
شاكرين كل حين على كل حال وهكذا نصلي في صلاة الشكر ، نشكر دائمًا وعلى كل حال. فلا شيء يسر الله مثل قلب شاكر. لذلك تعلمنا الكنيسة أن نبدأ كل صلواتنا بالشكر، إن في أفراح أو أحزان ولنلاحظ أن الأحزان ليست حقيقية، فلا شيء قادر أن يلحق بنا حزنًا، إن كان الله في داخلنا، متمتعين بعمله فينا، وبمحبته التي تحصرنا. وعمل روحه فينا وسكناه فينا وإعداد الله مكانًا لأحبائه في السماء. إن فهمنا هذا فلماذا لا نشكر دائما. والمسيح حين شفى العشرة البرص رجع واحد فقط منهم ليشكر وفرح به المسيح وسأل عن الباقي لماذا هل المسيح يحتاج للشكر ؟ لا لكن نفهم أن المسيح يريدنا أن نعود بالشكر لنحصل على المزيد فهو أعطى للأبرص شفاء جسده ولما عاد بالشكر حصل على ما هو أثمن بكثير إذ قال له المسيح “قم” وامض إيمانك خلصك” (لو ۱۷: ۱۹). فالمسيح يريد أن يزيدنا نعمة فوق نعمة (يو ١ (١٦). والشكر المستمر يجعل القلب في حالة استعداد وقبول لعمل الله المفرح، ومثل هذا يزيده الله نعمة فوق نعمة. لذلك قال القديس إسحق “ليست عطية بلا زيادة إلا التي بلا شكر أمّا التذمر فيقسي القلب، فيحول أيامنا لأيام شريرة عوضا عن أن تكون أيام بركة وعلينا أن لا نتوقف عن الشكر حتى في أيام الضيق والتجارب، فالشكر في الألم يعتبر ذبيحة شكر بها نشترك مع المسيح في صليبه. وهكذا يقول هوشع نقدم عجول “شفاهنا” (هو ۲:۱٤) والمعنى أن التسبيح في الألم هو مثل ذبائح المحرقات.
في اسم ربنا يسوع: لا شكر حقيقي من القلب إن لم أكن ثابتًا في المسيح.
٤ – العطاء الدائم من أثمن ماعندنا
بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطَّيبِ رِجْلَيَّ.” (لو ٧: (٤٦). من واجبات الضيافة أيضا دهن رأس الضيف بزيت، أي طيب ذي رائحة عطرة، فينعشه، وهذا أيضا لم يفعله سمعان وفعلته هذه المرأه، إذ سكبت الطيب على قدمي المسيح باتضاع. فأغلى ما عندها تقدمه عند قدميه، لأنها تشعر بعدم استحقاقها أن تضعه على رأسه كما هو معتاد.
“وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.” (مت ۲ : ۱۱).
المجوس قبل هداياهم قدموا قلوبهم وسجدوا له هم نفذوا الناموس وهم الأمم، فهم لم يحضروا أمام الرب فارغين (تث١٦:١٦).
«ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَحْضُرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ الرَّبَ إِلهِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ، في عِيدِ الْقَطِيرِ وَعِيدِ الأَسَابِيع وَعِيدِ الْمَظَالِ. وَلاَ يَحْضُرُوا أَمَامَ الرَّبِّ فَارِغِينَ.” (تث ١٦: ١٦).
يأمر الله بحضور جميع ذكور شعبه في الأعياد الثلاثة السابق ذكرها. والمقصود بعيد الفطير هو عيد الفصح والفطير فميعادهما واحد. والذكر يمثل الأسرة كلها، فهو مندوب عن الإناث.
وحضور الذكور له أغراض روحية هي:
١ تثبيت إيمانهم بالله الواحد وبعبادته في هيكله المقدس.
۲. تثبيت الوحدانية بين جميع الأسباط.
. تشجيعهم روحيًا بتقديم عبادة واحدة معا.
٤ . تقديم عطايا للمحتاجين فلا يأتون هذه الأعياد بدون تقدمات الله يأكل منها
المحتاجون.
” أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِعْنَى سَخَائِهِمْ لَأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مُلْتَمِسِينَ مِنَّا، بِطِلْبَةٍ كَثِيرَةٍ، أَنْ نَقْبَلَ النِّعْمَةَ وَشَرِكَةَ الْخِدْمَةِ الَّتِي لِلْقِدِيسِينَ.”
(۲) کو ٨ ٢ – ٤ ) .
“إنه في اختبار ضيقة شديدة
فاض وفور فرحهم وفقرهم العميق لغنى سخائهم” [٢].
مع أن مسيحيي مكدونية فقراء ومضطهدون يعانون من الضيق لكنهم أغنياء للغاية في البهجة والفرح أنهم وجدوا فرصة سانحة للعطاء للإخوة في ضيقة أشد أكثر فقرًا واضطهادًا.
هكذا خلال نعمة الله تشعر الكنائس الفقيرة والتى فى محنة بالالتزام أن تسند الكنائس التي أكثر منها فقرًا أو ضيقًا. بمعنى آخر لا يُعفى مسيحي من العطاء، لأنه يئن مع أنات من هم أكثر منه تعبًا واحتياجا. العطاء بسخاء يوّلد وفورًا من الفرح الداخلي. فإذ يعطي الإنسان مما لديه تنفتح أبواب قلبه ليتقبل عطايا السماء السخية المقدمة له.
بالرغم من أن المكدونيين كان لديهم عجز في المصادر المادية كانت نفوسهم غنية، إذ هم يخدمون القديسين بضمير طاهر، محاولين أن يُرضوا الله لا الناس.
*هذا هو علوّ التسبيح، لأنه في الأحزان يبقون في سلام، وفي أعماق الفقر يعطون بسخاء مما لديهم
ثيؤدورت أسقف قورش
*من له نفس رحيمة يكون كمن له كنز من البركات، إذ تكون ينبوعًا لاحتياجات إخوته ومصدر تمتع بكل المكافآت التي أعدها الإله
* الرحمة تُصعد الإنسان إلى علو شامخ، وتعطيه دالة بليغة عند الله
القديس يوحنا الذهبي الفم
إن كنت حزينًا وأنت تعطي فأنت تفقد كلا من الخبز والاستحقاق، لأن الله يحب المعطي المسرور القديس أغسطينوس
” لأنهم أعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة، من تلقاء أنفسهم”
في سخائهم لم يضعوا قاعدة للعطاء كأن يقدموا العشور أو أكثر، إنما كانوا يشعرون بالرغبة في تقديم كل ما يمكنهم تقديمه، بل وفاقوا حتى هذا المبدأ. فقدموا أنفسهم الله بكل قلوبهم، وقدموا لهم من أعوازهم أكثر فأكثر فوق طاقتهم، متشبهين بالأرملة التي قدمت الفلسين، وهما كل ما كانت تملكه.
” ملتمسين منا بطلبة كثيرة أن نقبل النعمة وشركة الخدمة التي للقديسين”
الرسول في أبوته الحانية رفض مثل هذا العطاء بالرغم من احتياج كنيسة أورشليم، لأنه فوق طاقتهم. ألهب هذا التصرف بالأكثر قلوبهم ليصروا على العطاء، فصاروا يتوسلون إليه بإلحاح لكي يقبل العطية حاسبين في ذلك نعمة ينالونها من قبل الله وشركة في خدمة
القديسين. كان إصرارهم بثقة كاملة في الإيمان وبذهن نقي متطلعين إلى المكافآت السماوية مما جعل الرسول يقبل عطاياهم في النهاية. “شركة الخدمة التي للقديسين” : بالعطاء نعلن عن عضويتنا العاملة في جسد المسيح المقدس. ما نقدمه للمحتاجين هو عطاء للرأس الذي يهتم بكل أعضاء جسده المقدس.
بقدر ما يكون الإنسان من “الأصاغر ” هكذا بالأكثر يأتيك المسيح خلاله، لأن من يعطي إنسانًا عظيمًا يفعل هذا بزهو، أما من يقدم للفقراء فبنقاوة يفعل هذا من أجل المسيح القديس يوحنا الذهبي الفم
الله يعطينا ان نعيش ونتذوق ونشبع بالحب الإلهي