مشاهد الفرح في عيد الميلاد

ونحن نحتفل بعيد الميلاد المجيد إنما نحتفل احتفالًا خاصًا لأن هذا العيد نفتتح به أعيادنا فى السنة الميلادية، فعيد الميلاد إنما هو احتفال بدخول الفرح إلى العالم، كان العالم قبل ميلاد السيد المسيح لا يشعر بفرح حقيقى كان العالم يعيش بعيدًا عن الفردوس.

فحتى الأبرار الذين عاشوا كان الفردوس أمامهم مغلقًا وكان الطريق الوحيد أمام البشر هو إلى الجحيم وكانت حياة الإنسان تدور حول الذبائح المتكررة لعلى الله يرضى ويقبل وكان تكرار هذه الذبائح يعنى أنها ذات نفع مؤقت وصار العالم فى حالة تخبط وتعدى على الوصية وانتشرت الوصية وانتشر الضعف فى حياة البشر واحتاج الإنسان أن يكون فرحًا ليشعر بإنسانيته.

فكان الفرح فى ميلاد السيد المسيح فالإنسان بدون المسيح فاقد الفرح والسعادة الداخلية والسؤال الأن من أين وكيف يأتى الفرح؟

نحن نتعلم فى الكنيسة ونصلى فى الحاننا ونردد كلمة “هليللويا” وهى كلمة تهليل وفرح وهى كلمة مشهورة فى سفر المزامير وسفر الرؤيا وتتكرر أربع مرات وتشير إلى جهات الأرض الأربعة أريد أن اصطحبكم فى خمسة مشاهد عن الفرح نراها في قصة الميلاد:

1-المشهد الأول: فى حياة أمنا العذراء مريم عندما نالت البشارة من الملاك جبرائيل ذهبت بسرعة إلى القديسة أليصابات وذهبت إليها لتخدمها وعندما رأتها اليصابات ابتهج الجنين فى بطنها أما أمنا العذراء حولت هذه المناسبة إلى صلاة ” تُعَظِّمُ نَفْسِى الرَّبَّ وَتَبْتَهِجُ رُوحِى بِاللهِ مُخَلِّصِي” فهذا هو المصدر الأول للفرح الخلاص، أمنا العذراء من البشر وعرفت أنها تحتاج للخلاص وهكذا جميع أجيال العهد القديم كانت تبحث باشتياق عن من يأتى ويخلص وحتى أجيال الأمم كما قال سقراط” لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا إذا جاء رب الحقيقة وأعلانها بذاته”.

مريم العذراء أمنا وفخر جنسنا وقفت وصلت وقالت: “تُعَظِّمُ نَفْسِى الرَّبَّ وَتَبْتَهِجُ رُوحِى بِاللهِ مُخَلِّصِى” وكانها تضع ايدينا على أول طريق الفرح، الفرح لا يأتى ألا من خلال خلاص السيد المسيح على الصليب ولذلك نحن نصلى “نشكرك لأنك ملأت الكل فرحًا أيها المخلص عندما أتيت لتعين العالم” فليس هناك فرحًا ألا فرح الصليب هذا هو المصدر الرئيسى وأمنا العذراء تشير إليه وتعلمنا وتعلن احتياجها للخلاص فالإنسان لن يعرف فرحًا إلا إذا بدء بالخلاص الذى قدمه المسيح على الصليب هذا هو المصدر الأول للفرح.

2-المشهد الثانى: نراه فى القديس يوسف النجار ذلك الشيخ الوقور الذى اختصه الله ليكون حارس لسر التجسد وكان رفيقًا لأمنا العذراء وفى الطريق لبيت لحم وهو الذى صاحب الأم والطفل الرضيع إلى مصر عبر طرق شاقة جدًا، الفرح هنا هو فرح المسئولية فالله عندما يمنحنا مسئولية تكون مصدر للفرح إذا استخدمها الإنسان بكل أمانة وأخلاص، وفى مثل الوزنات” كُنْتَ أَمِينًا فِى الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ ” لأنه كان أمينًا ومخلصًا، قد تتعدد المسئوليات ولكن فى كل مسئولية إذا تاجر فيها الإنسان بكل امانة يجد فرحًا.

3-المشهد الثالث: مشهد الملائكة الذين ظهروا فى السماء جعلوا السماء منيرة ويسبحون ويرتلون ” الْمَجْدُ للهِ فِى الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ ” هذا الفرح هو فرح التسبيح، التسبيح هو اللغة الراقية للصلاة، كان فرح التسبيح فرح حقيقًيا علمته لنا الملائكة من خلال هذه التسبحة القصيرة ولكنها شاملة، لا تستطيع أن تقدم تسبيحًا ألا أن تمجد الله أولًا وأن تصنع سلام لتكون تسبحتك مقبولة والخطوة الثالثة بالناس المسرة وأنك أنت تشعر بهذا الفرح وتنشر الفرح فى حياة الناس، فعطية الحياة التى يعطيها الله لنا هو صاحبها فاطمئن الله يقود خطواتك فعيش أيامك فرحًا وفرح من حولك، المشهد الثالث كان التسبيح والتسبيح يملأك فرحًا.

4- المشهد الرابع: نجده عند الرعاة وهم أناس بسطاء ومؤتمنين على القطعان التى يرعونها وكانوا يعتبروا خارج سكان أى مدينة لأنهم يتنقلون كانوا بكل أمانة يحرسوا القطعان فى البادية وكانت هذه البساطة هى سبب الفرح يقول القديس أغسطينوس”وقفت على قمة العالم عندما وجدت نفسى لا أشتهى شيء ولا أخاف شيء” هؤلاء كانوا كذلك وكانت الصفة الغالبة فيهم أنهم عاشوا حياة الرضا، الإنسان الذى يتذمر لا يشعر بالفرح وهؤلاء البسطاء الرعاة استحقوا أن يكونوا أول من يعرف ميلاد السيد المسيح فى العالم كله، ربما معيشتهم بسيطة ولكنها صنعت لهم فرحًا وظهر لهم الملاك وقال لهم ” فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ

5-المشهد الخامس: مشهد المجوس القادمين من بلاد المشرق الذين استغرقوا شهورًا فى رحلتهم كانوا علماء وأغنياء وتحملوا مشقة الرحلة، وتبعوا النجم ووصلوا إلى أورشليم ووصلو للملك وسئلوا عن المولود ملك اليهود وطلب منهم هيرودس أن يبحثوا عن الصبى بتدقيق، أما هم فذهبوا وتبعوا النجم حتى وصلوا إلى البيت ومعهم الهدايا وهنا يظهر فرح المشاركة، عندما تشارك الآخرين تحصل على فرح عظيم، وكان مع المجوس الهدايا واتوا ليشاركوا فرحة الملك المولود ملك اليهود رغم أنهم من الأمم وقدموا هداياهم وشاركوا فرحة أمنا العذراء والقديس يوسف النجار وفرحتنا أيضًا وكان هذا مبدأ المشاركة، أنت عندما تشارك الآخرين فى أفراحهم تشعر بفرح داخلي، الإنسان لا يخلق لنفسه بل لمجتمع يخدم ويعمل وحياة الشركة هى الغالبة على اديرتنا القبطية.

فيصير هذا العيد هو عيد دخول الفرح إلى العالم ونصلى أن يملأ هذا الفرح كل القلوب والعقول وكل البلاد وكل إنسان بصلوات ابينا واسقفا المبوب الانبا تيموثاوس أطال الله حياته