احد الرفاع

ان الله من اجل محبتة للأنسان خلق له كل الخيرات من شجر الجنة وقد اعطاه وصية الصوم لا لمنعة او تقييدة وانما لكي يدرك ويتعلم انه ” ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الأنسان” (تث 8 : 3). اذ تعلمنا بدرس السقوط المؤلم اهمية الأنتباة لما هو مصدر شبعنا وحياتنا. وان نرتفع بالصوم من ثقل الجسد وشهواته الي خفة الروح وطهارتها.

وان كان الصوم هو من اعمال النسك في سلوكنا الروحي في الكنيسة الا انه ليس غاية في حد ذاته يشتهي المؤمن بلوغها، انما هو تجاوب عملي للمحبة الألهية. وتقديم الزهد عن الملذات كعلامة عن شوقنا الداخلي للتمتع بالنعيم الأبوي الأبدي بالحياة المركزة في المسيح يسوع. وان يكون هدفنا الجامع لنا هو التمتع بملكوت الله الداخلي كعربون لملاقاة الله وجها لوجه في الحياة الأبدية.

وفي هذا اليوم المبارك والذي يسمي يوم الرفاع وهي كلمة قد تعني رفع المأكولات التي نصوم عنها لتحل محلها الأطعمة المسموح بأكلها في الصوم نلاحظ ان الكنيسة قد رتبت قراءات الآحاد الأولي ماقبل الصوم المقدس من انجيل معلمنا يوحنا الأصحاح السادس الذي يحدثنا عن (خبز الحياة)  تمهيدا للصوم فلا ننشغل بطعام الجسد البائد بقدر ما نهتم بطعام الروح الباقي.

” اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الأنسان، لأن هذا الله الآب قد ختمه ” (يو 6 : 27)

فان كنا نعرف جيدا احتياجنا للطعام فنفكر دائما فيه وفي كيفية توفيره وكيف نشتهية ونشبع منه في صور عديدة وشتي ونبحث عنه باستمرار كل يوم بل ولليوم التالي، فلنا ان نستعد الان وننتبة للطعام الباقي الروحي وعندما نبحث عن هذا الخبز الروحي لا يجب ان ننظر الي الأرض بل الي السماء كما اشار المسيح بأن الله هو المعطي الخبز الحقيقي من السماء وهو نفسه كلمة الله المتجسد المعطي الحياة لكل العالم

” لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم” (يو 6 : 33)

واذ عرفنا مصدر ونبع غني وشبع هذا الخبز السمائي نجري مسرعين اليه ونطلبة بكل قلوبنا ونتذوقه ونحيا به ولن نتوقف عن طلبنا له كل يوم ويكون لسان حالنا…

” ((يا سيد، اعطنا كل حين هذا الخبز)) ” (يو 6 : 34)

وهنا لا يحجب الله نفسه عنا بل يعلن لنا ذاته ويقدم نفسة معلنا سر الأسرار الروحية لخلاص ونصرة وكفاية وشبع كل احد منا انه هو بالحقيقة خبز الحياة الذي به نحيا ونوجد وننمو، واذ يقدمه لنا القدوس الأزلي الأبدي بذاته فهو يشبع كل من يتقدم اليه الي الأبد.

” فقال لهم يسوع: انا هو خبز الحياة. من يقبل اليَ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش ابداً ” (يو 6 : 35)

وان كان صعبا علينا نحن الأرضيين الجسديين الوصول الية لنتحد به  فهو الذي انعم لنا بتقديس سر الأفخارستيا ليكون لنا خبز الحياة ماكلا حقا ومشربا حقا نأكله فنتحد ونحيا به الي الأبد غذاء اتحاد روحي ابدي مجاني لكل من يؤمن به.

“والخبز الذي انا اعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم” (يو 6: 51)

فيصبح كل تصور فكرنا انما هو في الحياة مع المسيح نبع الحياة وان يكون هذا الخبز الحي السمائي هو مطلبنا اليومي الحقيقي، هذا هو مطلب استعداد كل منا يوم الرفاع قبل بدء الصوم ان ينقل فكرة وقلبة لا للمشتهييات الأرضية البائدة وانما للمشتهيات السماوية الباقية والدائمة الي الأبد.

ولنا ان نعلم ان كانت ايام الصوم هي ايام توبة وتذلل لكنها في نفس الوقت ايام مفرحة ومبهجة خلال خبرة النصرة والغلبة والشبع التي يتذوقها المؤمنون في حياتهم الداخلية. وكما يسجل لنا القديس اثناسيوس هذة الخبرة قائلا: ” ليتنا لا نترك هذة الأيام تمر علينا كمن هم في حزن، انما اذ نتمتع بالغذاء الروحي تخمد شهواتنا الجسدية. بهذة الوسيلة نقدر ان نغلب اعدائنا (الشياطين والشهوات) “.