بسم الآب والإبن والروح القدس الاله الواحد امين

تحل علينا نعمته وبركته من الآن والى الابد أمين

عيد الصليب

تعيد الكنيسة بعيد الصليب فى 17 توت يوم ظهوره للملك قسطنطين، وفى يوم 10 برمهات يوم عثور الملكة هيلانة على خشبة الصليب المقدسة.

ونحن نريد اليوم أن نتكلم عن الصليب بمعناه الروحي، وعن أهمية الصليب وبركته فى حياتنا.

الصليب هو كل مشقة نحتملها من أجل محبتنا لله أو محبتنا للناس، لأجل الملكوت عموماً.

السيد المسيح والصليب

لقد دعا السيد إلى حمل الصليب فقال “إن أراد أحد أن يأتى ورائى، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (مت 16: 24). (مر 8: 34). وقال للشاب الغنى اذهب بع كل مالك وأعطه للفقراء.. وتعال اتبعنى حاملاً الصليب” مر 10: 21

🕇    وقد جعل حمل الصليب شرطاً للتلمذة عليه.

فقال “ومن لا يحمل صليبه ويأتى ورائى، فلا يقدر أن يكون لى تلميذا” (لو 14: 27).

وهو نفسه – طوال فترة تجسده على الأرض – عاش حاملا للصليب، فمنذ ولادته أراد هيرودس أن يقتله، فهرب مع أمه إلى مصر. ولما بدأ رسالته، احتمل تعب الخدمة، ولم يكن له أين يسند رأسه (لو 9: 58). وعاش حياة ألم، حتى قال عنه أشعياء النبى إنه “رجل أوجاع ومختبر الحزن” (أش 53: 3) ونال اضطهادات مرة من اليهود. ففى إحدى المرات تناولوا حجارة ليرجموه (يو 10: 31). وفى مرة أخرى أرادوا أن يلقوه من على الجبل (لو 4: 29) أما شتائمهم واتهاماتهم له، فهى كثيرة جداً. وكل هذه صلبان غير الصليب الذى صلب عليه

الصَليب فى حيَاة القديسين

تلاميذ المسيح أيضاً وضعوا الصليب أمام أعينهم.

كرزوا باستمرار.. وقالوا فى ذلك “ولكننا نكرز بالمسيح مصلوباً” مع أنه لليهود عثرة ولليونانيين جهالة” (1 كو 1: 23). وقال بولس الرسول “لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم، إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً” (1 كو 2: 2). بل أفتخر بالصليب قائلا “وأما أنا فحاشا لى أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذى به قد صلب العالم لى، وأنا للعالم” (غل 6: 14).

حتى الملاك الذي بشر بالقيامة، استخدم هذا التعبير “يسوع المصلوب” . فقال للمريمتين “إنى أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لكنه قام كما قال” وهكذا سماه “يسوع المصلوب” مع أنه كان قد قام. وظل لقب المصلوب” لاصقاً به، وقد استخدمه آباؤنا الرسل وركزوا عليه فى كرازتهم. كما قال القديس بطرس لليهود “يسوع المسيح الذى صلبتموه أنتم” (أع 2: 36).

🕇  الصليب هو الباب الضيق الذى دعانا الرب إلى الدخول منه (مت 7: 13).

وقال لنا “فى العالم سيكون لكم ضيق” (يو 16: 33). “وتكونون مبغضين من الجميع لأجل إسمي” (مت 10: 22). “بل تأتى ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله” (يو 16: 2) “لو كنتم من العالم، لكان العالم يحب خاصته.. ولكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لذلك يبغضكم العالم(يو 15: 19). وهكذا كان القديس بولس الرسول يعلم أنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله “(أع 14: 22).

🕇. وحياة الصليب واضحة فى سير الشهداء والرعاة والنساك:

في سبيل الإيمان احتمل الشهداء والمعترفون عذابات وآلاما لا تطاق. وغالبية الرسل والاساقفة الأول ساروا فى طريق الاستشهاد.

ولما دعا الرب شاول الطرسوسى ليكون رسولاً للأمم، قال عنه سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل إسمى “(أع 9: 16). ومن أمثلة ألام الرعاة والصليب الذى حملوه، يمكن أن نذكر القديس اثناسيوس الرسولى، الذى نفى أربع مرات وتعرض لاتهامات رديئة، والقديس يوحنا ذهبى الفم الذى نفى أيضاً.. وما تعرض له الآباء من سجن وتشريد.

🕇 أما الآباء الرهبان فالكنيسة تلقبهم “لباس الصليب“.

حملوا صليب الوحدة والبعد من كل عزاء بشرى، وصليب النسك الذى تجردوا فيه من كل رغبة جسدية. وتحملوا آلام الجوع والعطش، والبرد والحر، والفقر والعوز، من أجل عظم محبتهم فى الملك المسيح، كما تحملوا أيضاً متاعب ومحاربات الشياطين بأنواع وطرق شتى، كما فى حياة القديس الأنبا أنطونيوس، وحياة السواح.

الحياة المسيحية هى صَليب

إن الحياة المسيحية بواقعها العملى، هى رحلة إلى الجلجثة والمسيحية بدون صليب، لا تكون مسيحية حقيقة.

والذين أستوفوا خبراتهم على الأرض، لا يكون لهم نصيب فى الملكوت، كما تشرح لنا قصة الغنى ولعازر (لو 16: 25). نقول هذا عن الأفراد، كما نقوله عن الجماعات والكنائس أيضاً.. فالمسيحية هى شركة فى آلام المسيح؟ كما قال القديس بولس الرسول “لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه، متشبهاً بموته” (فى 3: 10). وقال عن شركة الآلام هذه: “مع المسيح صلبت. فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في” (غل 2: 20).

فإن أردت أن يحيا المسيح فيك، ينبغى أن تصلب مع المسيح، أو أن تصلب من أجله. أقول هذا بالمعنى الروحى، وتظهر محبتك لله، بأن تتحمل من أجله، وتتألم من أجله، ولو أدى الأمر أن تموت من أجله أيضاً.

الصَليب وأمجَاده

فى المسيحية تتألم. وتجد فى الألم لذة، وتنال عن ألمك أكاليل، ويتحول ألمك إلى مجد.

ليست المسيحية صليباً تحمله وتتضجر وتتذمر شاكياً! كلا، بل هى محبة للصليب، محبة للألم والبذل والتعب من أجل الرب ومن أجل نشر ملكوته.. وقيل عن السيد المسيح “.. الذى من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهيناً بالخزي” (عب 12: 2).

🕇 وقال القديس بولس لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح “(2 كو 12: 10).. والآباء الرسل بعدما جلدوهم” خرجوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه “(أع 5: 41).. أما عن أمجاد الآلام، فيقول الرسول:

إن كنا نتألم معه: فلكى نتمجد أيضاً معه” (رو 8: 17).

ولذلك قال بعدها “إن آلام الزمان الحاضر، لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” (رو 8: 18). وهكذا قال القديس بطرس الرسول “إن تألمتم من أجل البر فطوباكم” (1 بط 3: 14).

🕇 الصليب لا نفصله عن أفراحه وأمجاده: وايضاً لا نفصله عن معونة الله ونعمته.

المسيحى قد يحمل صليباً، ولكنه لا يحمله وحده، ولا يتركه الله وحده. هناك معونة إلهية تسند وتعين، هى التى وقفت مع الشهداء حتى احتملوا الآلام، وهى التى تقف مع المؤمن فى كل ضيقة. هناك عبارة الرب المشجعة “لا تخف. لأنى انا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك” (اع 18: 10، 9) “تشدد وتشجع لا ترهب ولا ترتعب. لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب” (يش 1: 9).

يحاربونك ولا يقدرون عليك. لأنى أنا معك – يقول الرب – لأنقذك” (أر 1: 19).

محبَة المسيحية للصليب

إنه رمز “يتمسك به كل مسيحى لمعانيه الروحية والعقيدية“.

نعلقه عن الكنائس، وندخله فى كل نقوشنا، ونعلقه على صدورنا، ونرشمه على أنفسنا، ونبدأ به صلواتنا. ونرشم به طعامنا، ونقدس به كل ما لنا. ويحمله رجال الكهنوت فى أيديهم. ويباركون به الشعب. ويستخدم فى كل الأسرار الكنسية، وفى كل الرشومات والرسامات مؤمنين أن كل بركات العهد الجديد جاءت نتيجة الصليب. ملابس الإكليروس أيضاً موشاة بالصليب، ليس لمجرد الزينة، إنما لبركته وقوته. ونحن نعيد للصليب عيدين، ونحمل الصليب فى المواكب والحفلات.

🕇  ونرى فى رشم الصليب قوة تخافها الشياطين.

فكل تعب الشيطان فى إهلاك البشر. ضاع عن طريق الخلاص الذى تم على الصليب. لذلك يخاف الشيطان علامة الصليب.. على شرط أن يكون رشم الصليب بإيمان وبخشوع. قال القديس بولس الرسول “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهى قوة الله” (1 كو 1: 18).

السلام لك أيها الصليب، علامة الخلاص السلام لك أيها الصليب. المنارة الذهب المصفي. التي أوقد عليها المصباح، الذي هو عمانوئيل.                   

لإلهنا المجد الدائم إلى الأبد .