أتريد أن تبرأ؟؟…… دعوة للتغيير في أحد المخلّع
في رحلة الصوم الكبير تقابلنا عدة شخصيات في القراءات: الابن الضال، السامرية، المخلّع،
والمولود أعمى. وإذا تأملنا في هذه الشخصيات نجد شيئًا مشتركًا بينها جميعًا، وهو التغيير.
فالرسالة الواضحة التي يقدمها لنا الصوم الكبير هي دعوة للتغيير.
كما سأل السيد المسيح المخلّع: »أتريد أن تبرأ؟«، هكذا يسأل كل واحد فينا اليوم: أتريد أن تتغير؟
فالتغيير يتوقف أولًا على الإرادة. الإرادة هي التي تفتح الباب لدخول الله إلى حياتنا. فالإرادة من عندنا، والقوة من عندك يا رب.
ولذلك سأل المسيح المخلّع هذا السؤال، لأنه لا يقتحم حياة الإنسان بالقوة، بل يحترم حرية الإنسان وإرادته. الله لا يفرض نفسه على أحد، لكنه ينتظر القلب الذي يفتح له الباب.
أما الثمانية والثلاثون سنة التي قضاها المخلّع في مرضه، فهي تذكرنا بسنوات تيه شعب إسرائيل في البرية. لذلك قال لهم الله:
“كفاكم دورانًا بهذا الجبل. تحوّلوا نحو الشمال” (تث 2: 3).
وكأن الرسالة لنا: كفاكم دورانًا في نفس الخطايا، حان وقت التغيير.
ولو تأملنا حالة هذا المخلّع نجده إنسانًا متألمًا على عدة مستويات. فهو يتألم جسديًا من المرض ومن طول الرقود على السرير (قرح الفراش). وهو يتألم روحيًا لأنه محروم من أي أمر روحي.
وهو أيضًا يتألم نفسيًا بسبب شعوره بالضعف وصغر النفس والإحباط، خاصة عندما يرى الفرصة تأتي لتحريك الماء ولا يستطيع أن يسبق أحدًا لينزل. لذلك قال كلمته: »ليس لي إنسان«.
وكانت بركة بيت حسدا مكانًا يجتمع فيه مرضى كثيرون فقدوا الأمل في الشفاء. لكن وسط هذا اليأس ظهر المسيح الحنون الذي جاء »لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك«. لم ينتظر أن يأتي إليه الإنسان، بل هو الذي ذهب يبحث عن الإنسان الذي فقد الرجاء.
وقد حدثت هذه المعجزة في أيام عيد، واختار المسيح أن يدخل من باب الضأن، وهو الباب الذي كانت تدخل منه الذبائح إلى الهيكل. ورغم أن هذا الباب لم يكن مميزًا أو جميلًا، إلا أن دخوله منه كان إعلانًا واضحًا أنه الذبيحة الحقيقية، فهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم.
وعندما وقف المسيح أمام المخلّع لم يكتفِ بكلمات تعزية، بل أعلن سلطانه الإلهي على المرض. فقال له:
»قم احمل سريرك وامشِ.«
في هذه الكلمة أعطاه المسيح القوة والقدرة، فالذي أمره بالقيام هو نفسه الذي منحه القوة ليقوم ويحمل السرير.
وبعد شفائه نقرأ أنه ذهب إلى الهيكل، وهذه علامة واضحة على التغيير الحقيقي، لأن الإنسان الذي يتغير يشتاق إلى بيت الله.
لكن المسيح أعطاه أيضًا نصيحة روحية مهمة عندما قال له:
»ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر.«
فالمسيح لا يشفي الجسد فقط، بل يهتم أيضًا بشفاء الروح وحياة التوبة.
وفي النهاية نتعلم من هذه المعجزة عدة دروس:
أن الانفصال بين إرادة الله وإرادة الإنسان هو سبب التعب، وأن الإنسان عندما يفتح قلبه لله يعطيه الله القوة للتغيير.
كما نتعلم أن نكون مثل المسيح إنسانًا لمن ليس له إنسان.
والرسالة المفرحة لنا جميعًا هي أنه مهما طال رقود الإنسان في الخطية، فالمسيح قادر أن يقيمه ويمنحه بداية جديدة.