
+ عظة يوم الثلاثاء من أسبوع آلام فادي البشرية+
السهر والإستعداد ( لو 21 : 34 – 38 )
آية التأمل: أسهروا وتضرعوا في كل حين لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع المزمع أن يكون وتقفوا قدام إبن الإنسان ( لو 21 : 36 ) .
+ المقدمة : –
قراءات هذه الليلة المباركة من البصخة المقدسة تدور حول موضوع واحد وهو التحذير من أسباب الهلاك ، ولذلك نجد رب المجد يسوع يوصي من خلال إنجيل الساعة السادسة بالسهر والإستعداد لكي نحسب أهلاً للنجاه مما مزمع أن يكون لنا في مجيئة الثاني والسهر والإستعداد فضيلة روحية هامة لأجل خلاص الإنسان ولذا تكررت وصية السهر كثيراً في الكتاب المقدس حتى أن رب المجد يسوع وبخ تلاميذه عندما وجدهم نياماً وهو في بستان جثيماني بقوله:
“أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة” (مر13 : 17).
والعجيب نجد أن هناك ارتباطًا بين السهر والاستعداد فمن الضروري أن يقترنا معًا وذلك لأن لهما مكافأة مزدوجة. فالسهر استحقاق للنجاة والاستعداد هو الوقوف بلا خجل قدام ابن الإنسان في ظهوره ومجيئه وملكوته وهذا ما يؤكده القديس يوحنا في رسالته: إذ يقول
“والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه حتى إذا أظهر يكون لنا ثقة ولا نخجل منه في مجيئه” (1يو 2 : 28).
ولذا تعالوا بنا نتأمل في أهمية السهر والاستعداد ولماذا نسهر ونستعد؟ وكيف يكون الاستعداد؟
أولاً: السهر له أهمية
أوصى رب المجد يسوع بالسهر والاستعداد كثيرًا ولأهمية السهر طوب الساهرين قائلاً:
“طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين” (لو 12 : 37).
ومعنى كلمة ساهرين هنا … أي يكونوا ساهرين على خلاص أنفسهم ومهتمين بأبديتهم، ومنتبهين لروحياتهم، وحريصين على سلوكياتهم… وفي نفس الوقت الذي يطوب فيه الرب الساهرين، نراه يحذر من عدم السهر بقوله:
“لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً”
(مر 13 : 36) … عندئذ يكون هناك ضياع لحياتهم. لقد كان هناك رجل بار يقف أمام جسد الميت ويقول بكل قلبه … لا تأخذني يا رب في ساعة غفلة وهذا معناه الاستعداد. فلذلك أعطانا رب المجد يسوع مثل العذارى الحكيمات اللواتي تميزن عن الجاهلات باستعداد … والدليل على أن السهر هو الاستعداد ختم هذا المثل بقوله:
“فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان”
(مت 25 : 13)
ويقول أيضاً إنجيل معلمنا لوقا البشير:
“فكونوا أنتم إذًا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان”
(لو 12 : 40).
ولأهمية السهر والاستعداد أيضاً وضعت الكنيسة فصل إنجيل العذارى الحكيمات والجاهلات في الخدمة الأولى من صلاة نصف الليل في الأجبية لكي تعطي للمصلي فرصة لليقظة وحياة الاستعداد وانتظار الديونة في سكون الليل وهدوئه.
ثانياً: السهر له أسبابه القوية:
بعد أن عرفنا أهمية السهر، نأتي لنعرف لماذا يكون السهر والاستعداد له أسبابه القوية:
1 ،- لأن حياتنا على الأرض وقتية:
وهذا ما وضحه كثير من الآباء القديسين. إننا لا نعرف متى يكون الوقت، فيقول القديس مرقس الرسول:
“اسهروا وصلوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت”
( مر 13 : 33 ).
“اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت مساءً، أم نصف الليل، أم صياح الديك، أم صباحًا لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا” ( مر 13 : 35 ).
والقديس يعقوب الرسول يقول:
“أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد لأنه ما هي حياتكم، إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل” ( يع 4 : 14 ).
إذ السهر والاستعداد فرصة يجب أن ننتهزها ونعمل وما ينفعنا في السماء لئلا لا ينفع الندم بعد زلة القدم.
2 – لأننا سنواجه حروب روحية:
السبب الأول للاستعداد هو أن حياتنا على الأرض وقتية، والسبب الثاني هو أننا سنواجه من الشيطان حروبه الروحية، فهو دائمًا ساهر يجول كأسد زائر.
لذا يقول بطرس معلمنا بطرس الرسول:
“اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم يجول كأسد زائر ملتمسًا من يبتلعه هو” ولذلك يكمل فيقول قاوموه راسخين في الإيمان.
فكيف يمكن للإنسان مهتم بخلاص نفسه أن يقاوم عدوًا قويًا مثل هذا يجول كأسد إلا إذا كان ساهرًا وإلا سيبتلعه العدو (1 بط 5 : 8).
كيف يمكن لجندي أن ينام في ميدان القتال، وهو يعلم أن لديه عدوًا يقظًا يتربص له. لذلك لابد من السهر متطلعين ومشتاقين إلى وطننا السماوي.
3 – لزوال العالم وشهواته الأرضية:
لقد أكد لنا الكتاب المقدس على فم أنبيائه القديسين ورسله الأطهار زوال العالم وكل شهواته الأرضية، فيقول القديس يوحنا في رسالته الأولى:
“لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم… لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته…”
(1 يو 1 : 15 – 17).
والقديس بطرس أيضًا يقول:
“ولكن سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها” ( 1 بط 3 : 10 ).
فالعالم محكوم عليه من الله بالفناء حكماً نهائياً، علينا أن نكون مستعدين لذلك اليوم.
4 – لأننا هنا في غربة زمنية:
نحن هنا الأرض غرباء، والغريب لا يشعر بالراحة وهو بلا كرامة بعيداً عن وطنه، والغريب دائماً يشتاق إلى العودة إلى مكانه الحقيقي.
وقد عبّر الآباء القديسون عن أشواقهم لانقضاء غربتهم على الأرض والعودة إلى الوطن السماوي.
فيقول داود النبي:
“غريب أنا على الأرض. لا تخفِ عني وصاياك” (مز 119: 19).
استمع صلاتي يارب. وأصغِ إلى صراخي. لا تسكت عن دموعي لأني أنا غريب عندك نزيل مثل جميع آبائي.
اقتصر عني فأبتَهج (استعيد قوتي) قبل أن أذهب فلا أوجد.
(مز 39 : 13).
والقديس بولس يقول:
“فإذا نحن واثقون كل حين وعالمين أننا ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب. فنثق ونسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب”
(2 كو 5 : 6 – 8).
“في الإيمان مات هؤلاء أجمعون. هم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيّوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض” (عب 11: 13).
5 – للوصول إلى الأمجاد السماوية:
إن كنا نحن هنا غرباء على الأرض ونشتاق للرجوع إلى الوطن السماوي، فعلينا أن نسهر مجاهدين في تنفيذ الوصية الإلهية حتى نحصل على الميراث الأبدي الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل.
فيقول القديس بطرس الرسول:
“مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء…”
حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات. لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ في السماوات لأجلكم
(1 بط 1: 2–4).
ما أجمل ما ذُكر عن الرعاة الذين عاصروا ميلاد المسيح وبشّرهم الملاك بميلاد الرب.
هؤلاء قيل عنهم إنهم كانوا رعاة مبتدئين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم (لو 2: 8).
كانوا ساهرين على غنمهم لئلا يباغتهم وحش إذا ناموا فيفترس خرافهم ويختطفها في الظلام دون أن يحسوا…
فهل أنت مثل هؤلاء الرعاة الساهرون الذين يحرسون حراسات الليل… ساهر على حياتك وروحياتك لئلا يبغتك العدو وسلطان الظلام وينتهز فرصة نومك ويخطف روحياتك ويقضي عليها.
ثالثاً: السهر جزاؤه الأبدية:
عرفنا الآن أهمية السهر ولماذا نسهر ونستعد؟ ونأتي إلى كيف يكون الاستعداد لكي ننال جزاءنا الحياة الأبدية:
1- بالتوبة القلبية:
أول خطوة للسهر والاستعداد يكون بالتوبة القلبية لذا نحن نصلي في قطع صلاة النوم ونقول:
“توبي يا نفسي مادمتِ في الأرض ساكنة… انهضي من رقاد الكسل وتضرعي إلى المخلص بالتوبة قائلة: اللهم ارحمني وخلصني”.
وفي صلاة نصف الليل نقول في قطع الخدمة الثانية:
“أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت منذ القديم للمرأة الخاطئة… واجعلني مستحقاً أن أبل قدميك اللتين اعتقتاني من طريق الضلالة… واقتنِ لي عمراً نقياً بالتوبة… أنعم لنفسي المسكينة بتخشع قبل أن يأتي الانقضاء وخلصني… بما أن الديان حاضر اهتمي يا نفسي وتيقظي”.
إن صلاة نصف الليل التي وضعتها الكنيسة هي حث على التوبة والسهر والاستعداد والاعتراف على الدوام.
2- بحفظ الوصية:
إن شريعة الله تعلمنا السهر، لذا يقول داود النبي في المزمور:
“لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي لهلكت حينئذ في مذلتي” (مز 119: 92).
وصية الرب مضيئة تنير العينين، لذلك أخفيت أقوالك في قلبي لكي لا أخطئ إليك… (مز 119).
ولذا ينصحنا رب المجد يسوع ويقول:
“لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة”
(لو 12: 35).
والأحقاء الممنطقة تعني الاستعداد للعمل، والمصابيح الموقدة بالزيت تعتبر دائماً هي سر نجاح الحياة الروحية، لذلك احتفظت العذارى الحكيمات بالزيت في آنيتهن رمزاً للنفوس الساهرة على خلاصها والتي تحتفظ بعمل الروح القدس فيها.
3- بالصلوات النقية:
ثالث خطوة لكي تكون في سهر واستعداد دائم هي بالصلوات الصادرة من قلب نقي، فيقول القديس أغسطينوس:
“صلاة البار مفتاح السماء، وبقوتها يستطيع أن نملك كل شيء. فهي حمى لنفوسنا، وهي السلم التي نصعد بها إلى السماء”.
الصلاة يجب أن تكون دائمة وبلجاجه وبحسب مشيئة الله، وبإيمان قوي… لأن الصلاة هي علاقة بنوة، وعلامة محبتنا، وسفينة نجاتنا، ووسيلة شكرنا.
ليت الرب يعطينا حياة السهر والاستعداد لأن لها أهمية وأسبابها القوية، وجزاءها الأبدية السعيدة والفرح الدائم الذي لا يشوبه كدرا.
ولربنا المجد الدائم أبدياً آمين.
