انزل عن الصليب
بين لحظة صلب المسيح في الساعة السادسة ولحظة تسليمه للروح في الساعة التاسعة سمعنا دعوتين وجهوا للسيد المسيح له المجد وهو معلق على الصليب ؛ من مجموعتين مختلفتين من الناس يحملان نفس المضمون .. الدعوة الأولي اتت اليه اولاً من المجتازين : ” إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب ” (مت ٤٠:٢٧) . والدعوة الثانية جاءت من رؤساء الكهنة ” كذلك رؤساء الكهنة أيضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا … إن كان هو ملك اسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به ” (مت ٢٧ : ٤١ ، ٤٢) . ونلاحظ ان الوحى الالهى استخدم كلمتى ” كذلك & أيضاً” قاصداً ان يؤكد على ان الدعوتين كانتا بدافع الازدراء – الاستهزاء والسخرية.
الدعوة الأولى تتحدى بنوته لله&والثانية تتحدى كونه ملكا لإسرائيل. ونلاحظ ان نفس مفهوم الدعوتين ” انزل عن الصليب “.
كان كلام اللص اليسار ايضا مع المسيح ” ان كنت انت المسيح فخلص نفسك وايانا ” (لو ٢٣ : ۳۹).
أيضا جاءت فى النبوة الرابعة من باكر اليوم – من حكمة سليمان : ” فإن كان حقا ابن الله فهو يخلص نفسه ” (حك ٣ : ١٢ – ٢٢) .
وايضا فى مزمور الساعة السادسة يقول النبى عنهم : ” تكلموا بشفاههم وحركوا رؤوسهم وقالوا ان كان قد آمن واتكل على الرب فليخلصه ولينجيه ان كان اراده ” ( مز ٢١ : ٩ ) .
وكان من الممكن ان يستجيب المسيح ويتحرك ؛ كان ممكناً ان ينزل عن الصليب فيؤمن به البعض ؛ لكنه لم ينزل عن الصليب ولم يستجب لصوتهم .. ظل على الصليب مسمراً حتىالموت ليستعلن لنا محبة الله غير المحدودة … “هكذا أحب الله العالم حتى يذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياةالابدية ” (يو ١٦:٣). لو كان المسيح قد تزل عن الصليب لصار هناك حداً لمحبة الله. . الله يحبنا صحيح ، لكن لحد معين .. هناك حد لبذله . امااستمراره على الصليب حتى الموت ؛ فهذا يظهر لنا بوضوح محبة الله لنا التي بلا حدود.
حرب (انزل عن الصليب) قديمة ؛ حارب بها الشيطان السيد المسيح فى التجربة الثالثة على الجبل ؛ فأوجد له البديل عن الصليب وهو السجود له “اعطيك ممالك الأرض كلها ان خررت وسجدت لى”بدل ان تملك على قلوب البشر بالصليب
الانسان المسيحى السائر على طريق الآلام وراء مسيحه حاملاً الصليب كل لحظة بكل امانة واخلاص لابد وان يتعرض لتلك التجربة مثلما تعرض لها المسيح وهو معلق على عود الصليب .. انزل عن الصليب .
انزل عن الصليب : صوت الجسد الذي يشفق على الروح … كفاية صوم… كفاية انقطاع … كفاية ميطانيات …
حرام عليك …ذبلت …خسيت… مش قادر تبذل مجهود … اإلخ.
انزل عن الصليب : صوت الذات التى تريد ان تتحرر من نير وثقل الوصية… الكلام ده اكبر منك .. ده للرهبان
.. ده للکهنة وزوجاتهم .. ده للخدام .. اشفق على نفسك … الخ.
انزل من الصليب : صوت العالم الذي يدعوك للباب الواسع .. مش تحبكها … اشمعنى انت … عيش زى باقى
الناس في جيلك ..عيش حياتك .. اتمتع .. لا تحرم نفسك من شىء … ما تخنقش على عيالك.
انزل عن الصليب : صوت عدو الخير ذاته للتخلص من الجهاد والبعد عن الألم والبذل .. اترك امانتك .. اترك
طهارتك – كفاية .. الخ.
انزل عن الصليب : صوت اقرب المقربين لك وزنهم على اذنيك مثل شريك الحياة ، الابناء ؛ الاهل ؛ الاخوة ..
احنا ذنبنا ايه ؟ ! – تخلص من الكمال المسيحى الذى يرضى الرب … کما فعلت زوجة
ايوب التي قالت له ” انت متمسك بعد بكمالك ” ؟!! ( أي ٢ : ٩ ) ؛ وكما فعل اقرباء يسوع
معه ” خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا انه مختل ” (مر٢١:٣) حينما تبعته جموع كثيرة .
والقديس بطرس الرسول ينصحنا ” فإن المسيح ايضا تألم لأجلنا تاركا لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته ” (١بط ٢: ٢١).
فكما لم ينزل المسيح عن الصليب صم اذينك عن نداء الجسد أو الذات أوالشيطان او العالم حينما يدعوك ” انزل عن الصليب “.
شركة الالام مع المسيح هي وسيلتنا للتعبير عن محبتنا للمسيح .. فى جهادنا ضد الشيطان وضد العالم وضد الجسد …” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الاهواء والشهوات “. (غل ٢٤:٥) . (صلبوا ) تعنى لم ينزلوا عن الصليب . وصاروا مستعدين للشهادة من اجل المسيح ( الموت ) مثل الشهداء الذين قيل عنهم ” ولم يحبوا حياتهم حتى الموت ” (رؤ ١١:١٢) .
يقول لنا مارمتى (مت ٣٦:٢٧) ان عسكر الوالي صلبوا يسوع ” ثم جلسوا يحرسوئه هناك ” . فإن كان المجتازون ورؤساء الكهنة قد دعوا يسوع للنزول عن الصليب ؛ الا ان الوالى كلف عسكره بحراسة المصلوب لئلا ينزل عن صليبه . الله في محبته يعلم ضعف الانسان ويعرف جيداً ان قبوله للالم هو عمل يفوق طبيعته الساقطة فيدبر حياة اولاده بطريقة تجعلهم ” مُسمرين ” على الصليب بحيث لا ينزلون عنه، ويوظف لذلك ” عسكر الوالي ” لكى يضمن بقاء ابنائه على الصليب بحيث لا ينزلون عنه ؛ فيفسدون خطة خلاصهم ويفقدون الملكوت .. كما هو مكتوب ” لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ” (عب ٦:١٢) .
ترى من هم (عسكر الوالي ) الذين يستخدمهم الرب لحر استنا على الصليب وتسميرنا ؟!! هم الامراض والحوادث وكوارث الطبيعة والحروب وما الى ذلك من امور يضطر الإنسان للخضوع لها بدون ارادته ؛و تثبته على الصليب مسمراً ، فإن قبلها بشكر تصير له ضماناً لدخول الملكوت .
اليوم ونحن نحتفل بيوم الصليب نشكر الله من كل قلوبنا على – عسكر الوالي – الموجودين بعنايته الإلهية في حياتنا ؛ يحرسون صليبنا لئلا ننزل عن الصليب. ونتوسل إلى الروح القدس ان يجعلنا نصم (نسد) آذاننا عن حرب ” انزل عن الصليب ” لكي اذا ما تسلحنا بنية الألم نكف عن الخطية ونصبح مؤهلين لمعاينة ملكوته .
لربنا المجد الدائم إلى الأبد امين
كل سنة وانتم طيبين
القمص بولا لبيب
كنيسة الانبا بشاى والانبا بطرس
الجمعة العظيمة
أبريل ٢٠٢٦