الأحد الأول من شهر مسرى المبارك

العمل والثمر والمكافأة

شهر أبيب هو آخر شهور السنة القبطية، حيث يتبقى في السنة القبطية فقط شهر النسيء (5 أو 6 أيام).

والكنيسة القبطية وضعت المنهج الروحي لشهر مسرى ليذكر المؤمنين، ونحن نحتفل بنهاية السنة، أن يتذكروا نهاية العمر ونهاية الحياة والدينونة والأبدية.

وهكذا حولت الكنيسة البعد الزمني إلى منهج روحي، حتى يراجع الإنسان نفسه في آخر العام:

أين أنا؟ وماذا أفعل؟ وإلى أين أنا ذاهب؟

والمسيحية في ذلك تركز على أن ينتبه الإنسان إلى عمله.

فأولًا: نحن مخلوقون لأجل أعمال صالحة، ولسنا فقط جئنا إلى هذه الحياة لنعيش ونأكل ونموت.

ثانيًا: الأعمال الصالحة هي معيار الدينونة مع الإيمان، لأن الإيمان بدون أعمال ميت.

لهذا وضعت الكنيسة فكرة الأحد الأول من شهر مسرى، لتُركز على مراجعة الإنسان لنفسه: هل أعماله لها ثمر صالح وتسير به إلى طريق الحياة الأبدية، أم إلى طريق الموت الدهري؟

لهذا وضعت الكنيسة مثل الكرامين الأردياء، لتؤكد أن كل واحد فينا ما هو إلا وكيل على حياته (الكرم)، وسوف يُسأل أمام الله (صاحب الكرم) عن أفعاله (الثمر).

فالمعيار الحقيقي أمام الله هو الفعل، وليس الكلام، أو حتى الإيمان وحده.

فالمسيحية ديانة سلوك وحياة، وليست فلسفة فكرية.

لهذا عبر التاريخ غيَّرت المسيحية العالم بمنهجها الروحي، وغيَّرت الشعوب والأفراد إلى حياة القداسة والبر.

لهذا نؤكد على مركزية العمل في المسيحية، لأن لكل فعل نهاية مختلفة: فالصالح له الأبدية، والشرير له الهلاك، وقبل ذلك توجد دينونة وحساب أمام كرسي الديان العادل، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله.

«وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.»
(رو 2: 5-7)

لهذا نرى أن قراءات القداس كلها توضح هذه الفكرة.

فالابركسيس

يؤكد أننا إن كنا في هذا العالم نحاسب على أعمالنا طبقًا لقوانين العالم، ونقدم حسابًا عن كل تصرف، فما بالنا حين نقف أمام الله، ملك الملوك ورب الأرباب، في محفل شرعي، نُسأل فيه عما فعلناه في حياتنا؟

«وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفَلٍ شَرْعِيٍّ. لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هذَا الْيَوْمِ، وَلَيْسَتْ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَابًا عَنْ هذَا التَّجَمُّعِ.» (أع 19: 39-40)

أما الكاثوليكون

فيؤكد على أهمية العمل الصالح، الذي يعبر عن الإيمان السليم، لكي نرث البركة.

«غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ، أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً. لأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبَّ الْحَيَاةَ وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً، فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ، وَشَفَتَيْهِ أَنْ تَتَكَلَّمَا بِالْمَكْرِ. لِيُعْرِضْ عَنِ الشَّرِّ وَيَصْنَعِ الْخَيْرَ، لِيَطْلُبِ السَّلاَمَ وَيَجْرِ أَثَرَهُ.» (1 بط 3: 9-11)

والبولس أيضًا يوضح

فكرة أن من يتعب يأخذ، ومن يسعى يجد، وأن علينا أن نجاهد في حياتنا جهادًا قانونيًا يرضي الله، بضبط النفس والجهاد الروحي ضد الشر والخطية وشهوات العالم، حتى ننال المكافأة السماوية، ويكون لنا إكليل لا يفنى.

«أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلَكِنْ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجُعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبِطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَمَّا أُولَئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى.» (1 كو 9: 24-25)

لهذا نرى الفن القبطي كثيرًا ما يرسم في أيقونات الشهداء إكليلًا من نور، دليلًا على انتصارهم وغلبتهم، والمكافأة الأبدية التي تنتظرهم.

وأخيرًا يأتي إنجيل القداس ليحذر من التهاون في الحياة، فهناك حساب في آخر العمر، وهناك دينونة لمن يتهاون، وطوبى لمن يسعى ببر وتوبة دائمة.

والكنيسة الحكيمة تؤكد على هذا المعنى في كل قداس حين يقول الكاهن:

«ورسم يومًا للمجازاة، هذا الذي يظهر فيه ليدين المسكونة بالعدل، ويعطي كل واحد حسب أعماله.»

فلننتبه، كل واحد منا، في كل قداس، وكل وقت، وكل لحظة، أن يقف ويسأل نفسه:

أين أنا؟ وماذا أفعل؟ وإلى أين أنا ذاهب؟