عيد الصليب – 17 توت
ثمار الصليب
باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد آمين.

كل سنة وحضراتكم بخير بمناسبة عيد الصليب المجيد. نصلي لربنا أن يعطينا كلمة وتأملًا في ثمار الصليب: «فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ» (1 كو 1: 18).

عند قدماء المصريين كان الصليب علامة للحياة، فقد اتخذوا «مفتاح أونخ»، الذي يشبه الصليب في شكله، علامةً للحياة بعد الموت، وكلمة «أونخ» معناها «حياة». ورب المجد يسوع، عندما مات عنا على عود الصليب، مات الناسوت فيه، وظل اللاهوت متحدًا بعناصر الناسوت: الجسد الإنساني والنفس الإنسانية والروح، إذ إن «لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين». فاللاهوت لا يموت وغير محدود، وظل متحدًا بالجسد الميت في القبر، وفي الوقت نفسه متحدًا بالنفس والروح الإنسانية.

أولًا: الفردوس المفتوح

قبل الصليب كانت نفوس الأبرار مع نفوس الأشرار، والفرق الجوهري بين الاثنين أن النفس البارة كانت تنتظر المسيح المخلّص الذي سينقلها إلى الفردوس، أما النفس الشريرة فكانت تنتظر يوم العقاب النهائي والحكم الأبدي. إذًا، الثمرة الأولى من ثمار الصليب هي الفردوس المفتوح.

بعد الصليب اختفى الكاروبيم الحارس للفردوس، الماسك سيف النار المتقلب، ودخل الرب حاملًا القديسين والراقدين على الرجاء إلى فردوس النعيم، لينعموا في شركة مع الله إلى يوم القيامة المجيد. وبعد الصليب صار اللص اليمين التائب مستحقًا، من خلال التوبة والإيمان بدم المسيح، أن يسمع من فم الرب: «اليوم تكون معي في الفردوس».

ثانيًا: الشيطان المنهار

حاول الشيطان أن يتعرف على شخص الفادي بكل الطرق، حتى إذا ما تأكد أنه المسيح المنتظر والمخلّص يمنع موته حتى لا يتم الفداء. لذلك يقول معلمنا بولس الرسول: «لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ» (1 كو 2: 8).

وكان ربنا، المحب لفدائنا وخلاصنا، قد أخفى ألوهيته عن الشيطان، وقَبِل بإرادته شكل الضعف؛ فنجده نام، وجاع، وبكى عند موت لعازر، وقَبِل أن يُبصق عليه وأن يتألم ويُضرب، كما نراه يصلي في جثسيماني. كل هذا جعل الشيطان لا يدرك خطة الفداء، بل يتعجل صلب الرب.

وعندما ذهبت نفس الرب الإنسانية إلى الجحيم، تصور الشيطان أنه يستطيع أن يقبض على نفس المسيح، وهنا كانت الصدمة؛ إذ كان اللاهوت متحدًا بالناسوت، فصرع الشيطان، وانفكت قبضته على بني آدم الراقدين على الرجاء، وأخذهم الرب وأدخلهم الفردوس. لذلك ترتل الكنيسة في عيد القيامة: «يا كل الصفوف السمائية، رتلوا لإلهنا بنغمات التسبيح، قد قام الرب من بين الأموات، وسبى الجحيم سبيًا». وهكذا انتهت قبضة الشيطان، وبعلامة الصليب يبطل عمل الشيطان.

ثالثًا: الحياة الأبدية

الثمرة الثالثة للصليب هي الحياة الأبدية. فالموت انتهى بموت الرب الفدائي عنا، ولم يعد للموت سلطان علينا، ولذلك نقول في أوشية الراقدين: «لا يكون موت لعبيدك، بل هو انتقال». والحكم الذي كان علينا رفعه الرب ومات نيابةً عنا: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها» (إش 53: 4).

أما الفساد الذي أصاب طبيعتنا، فقد أعطانا الرب الطريق للتجديد من خلال المعمودية، حيث نموت ونقوم مع الرب ونتحد بالروح القدس: «لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح» (غل 3: 27)، ومن خلال الميرون يسكن فينا روح الله ونُدشَّن كهياكل مقدسة له: «أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم» (1 كو 6: 19)، ومن خلال التناول نثبت فيه وهو فينا: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه» (يو 6: 56).

ويقول الرب: «وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته» (يو 17: 3). فالمسيح له المجد قهر الموت بالصليب، لذلك يقول أولاده: «أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟» ولهذا لم يخف المؤمنون بالمسيح من الموت، بل كانوا مرحبين بالاستشهاد.

وهكذا نجد أن من أهم ثمار الصليب المجيد: فردوس مفتوح، وشيطان منهار، وأبدية سعيدة.

ربنا قادر أن يعطينا بركات الصليب وقوة الصليب، وقادر أن يحفظكم في سلام ونعمة، ولربنا كل مجد وكرامة إلى الأبد. آمين.