تأمل في إنجيل لوقا (5: 1–11)

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

أحبائي، إنجيل اليوم من بشارة معلمنا لوقا (5: 1–11) يبدأ بمشهد إنساني جدًا: «يا معلم، قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئًا».

بطرس تعب، وسهر، وعمل، وبذل كل ما يستطيع، لكن النتيجة كانت أن الشباك فارغة. وهذا أحيانًا يكون حال الإنسان؛ يصلي ويتعب، يخدم ويتعب، يعمل ويتعب، ويحاول أن يصلح أمورًا كثيرة، وفي النهاية يشعر أن كل مجهوده لم يأتِ بثماره. لكن الجميل أن المسيح لم يقل لبطرس: «لقد فشلت، اترك كل شيء»، بل قال له: «ابعد إلى العمق، وألقوا شباككم للصيد».

أولًا: المسيح يقول لنا «ألقوا شباككم»

بطرس كان صيادًا يعرف البحر جيدًا، وكان يستطيع أن يقول: يا رب، نحن أهل الصيد، لقد جربنا طوال الليل ولم نجد شيئًا. لكنه قال كلمة عظيمة: «ولكن على كلمتك ألقي الشبكة». بطرس وضع كلمة المسيح فوق خبرته، وهذا هو الإيمان. فالإيمان لا يعني أنني أفهم كل شيء، بل أنني أثق في المسيح حتى عندما لا أفهم.

أحيانًا نقول: أنا جربت، أنا تعبت، أنا صليت، أنا لا أستطيع أن أبدأ من جديد. لكن المسيح يقول: «ألقوا شباككم»، أي لا تجعل فشل الأمس يحكم على عمل الله في حياتك اليوم.

ثانيًا: «على كلمتك» هي مفتاح البركة

لاحظوا أن بطرس لم يقل: «سألقي الشبكة لأنني متأكد أن هناك سمكًا»، بل قال: «على كلمتك». أي: يا رب، أنا لا أعرف، لكن أنت تعرف. أنا لا أرى، لكن أنت ترى. أنا لا أفهم، لكن أنت تفهم. أنا تعبت، لكنني سأطيع.

وهنا يأتي الكاثوليكون ليشرح لنا هذا المعنى، فيقول القديس يعقوب: «اخضعوا لله». والإنجيل يقول: «على كلمتك». والمعنى واحد، وهو أن أضع إرادتي تحت إرادة الله. فبدلًا من أن أقول: «يا رب، بارك إرادتي»، أقول: «يا رب، اجعل إرادتي متوافقة مع إرادتك».

ثالثًا: لماذا توجد الحروب والخصومات؟

يعقوب يسأل سؤالًا صريحًا: «من أين الحروب والخصومات بينكم؟» ثم يجيب: «أليست من هنا: من لذاتكم المحاربة في أعضائكم؟»

المشكلة تبدأ من الداخل؛ أنا أتمسك برأيي، وأنا أريد، وأنت تريد وتتمسك برأيك، وأنا أريد أن أنتصر وأنت تريد أن تنتصر، فتبدأ الحرب. ولهذا فإن المسيح يريد أن يدخل إلى عمق القلب قبل أن يملأ الشباك.

قد نطلب من الله أن يغير الآخرين، بينما الله يريد أولًا أن يغيرنا نحن. قد نصلي: «يا رب، غيّر فلان»، والرب يقول: «دعني أغير قلبك أنت».

رابعًا: «ابعد إلى العمق»

المسيح لم يقل لبطرس: «ألقِ الشبكة في المكان نفسه»، بل قال: «ابعد إلى العمق». هناك فرق بين حياة سطحية مع الله وحياة عميقة.

الصلاة السطحية تقول: «يا رب، أعطني»، أما الصلاة العميقة فتقول: «يا رب، ماذا تريد مني؟» والإيمان السطحي يقول: «يا رب، حل المشكلة»، أما الإيمان العميق فيقول: «يا رب، استخدم المشكلة لتغيّرني».

العلاقة السطحية مع الله تبحث عن العطية، أما العلاقة العميقة فتبحث عن الله نفسه. لذلك يقول لنا المسيح اليوم: «ابعد إلى العمق»؛ ادخل إلى عمق الصلاة، وعمق التوبة، وعمق كلمة الله، وعمق المحبة، وعمق الخدمة.

خامسًا: عندما امتلأت الشباك… اتضع بطرس

بعد المعجزة، كان من الممكن أن يفتخر بطرس، لكن العكس تمامًا حدث، إذ يقول الإنجيل: «فلما رأى سمعان بطرس ذلك خر عند ركبتي يسوع قائلًا: اخرج من سفينتي يا رب، لأني رجل خاطئ».

لماذا؟ لأن اللقاء الحقيقي مع المسيح يجعل الإنسان يرى نفسه بوضوح. وهنا يقول يعقوب: «يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة».

بطرس لم يقل: «أنا صياد ناجح»، بل قال: «أنا رجل خاطئ». وهذه هي البركة الحقيقية: أن تمتلئ الشباك، لكن يمتلئ القلب تواضعًا. أن تنجح، لكن لا تنسب النجاح لنفسك. أن تأخذ عطايا الله، لكن لا تنسى الله.

سادسًا: «لا تخف»… المسيح لا يرفض التائب

عندما قال بطرس: «أنا رجل خاطئ»، لم يقل له المسيح: «إذن ابتعد»، بل قال: «لا تخف». يا لها من كلمة جميلة!

أنا أقول: «أنا خاطئ»، والمسيح يقول: «لا تخف». أنا أقول: «أنا ضعيف»، وهو يقول: «لا تخف». أنا أقول: «فشلت»، وهو يقول: «لا تخف».

المسيح لا ينتظر الإنسان الكامل، بل يأخذ الإنسان التائب المتواضع ويعمل فيه.

سابعًا: «من الآن»… بداية جديدة

ثم تأتي أجمل كلمة: «من الآن تكون تصطاد الناس». لاحظوا قوله: «من الآن»، أي أن الماضي ليس نهاية القصة.

التوبة تعني بداية جديدة؛ من الآن أترك الخطية، من الآن أرجع للصلاة، من الآن أصالح أخي، من الآن أبدأ من جديد، ومن الآن أجعل المسيح أولًا في حياتي.

المسيح لم يرَ في بطرس ماضيه فقط، بل رأى فيه ما يمكن أن يصنعه به، وهكذا ينظر إلينا الرب.

ثامنًا: لا تجعل الشبكة أهم من المسيح

في النهاية يقول الإنجيل: «ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر تركوا كل شيء وتبعوه».

لماذا تركوا كل شيء؟ لأنهم اكتشفوا أن المسيح أهم من السمك، وأهم من الشبكة، وأهم من السفينة، وأهم من النجاح.

وهنا السؤال لكل واحد منا: ماذا يوجد في سفينتي؟ هل المسيح داخلها؟ هل المسيح هو الأول في بيتي؟ هل هو الأول في عملي؟ هل هو الأول في قراراتي؟ هل هو الأول في وقتي؟

لأن المطلوب ليس فقط أن يملأ المسيح شباكنا، بل المطلوب أن يمتلك المسيح السفينة كلها.

في النهاية: «ألقوا شباككم»

أحبائي، قد يكون واحد منا اليوم يشعر أنه تعب الليل كله ولم يأخذ شيئًا، لكن المسيح يقول له: «ألقوا شباككم». لا تيأس، لا تجعل فشل الأمس يحكم على الغد، لا تعتمد فقط على خبرتك، ولا تتمسك بإرادتك، لكن قل: «على كلمتك ألقي الشبكة».

وإذا كان هناك صراع في حياتك، اسمع يعقوب: «اخضعوا لله». وإذا كان هناك كبرياء، اسمع: «المتواضعون يعطيهم نعمة». وإذا كنت بعيدًا عن الله، اسمع: «اقتربوا إلى الله». وإذا كنت تشعر أنك لا تستحق، اسمع المسيح: «لا تخف». ثم ابدأ من جديد: «من الآن».

صلاة ختامية

يا رب، أعطنا أن نلقي شباك حياتنا على كلمتك، وأن نثق فيك عندما تكون الشباك فارغة، وأن نتضع عندما تمتلئ، وأن نقترب إليك عندما نسقط، وأن نسمع صوتك دائمًا: «لا تخف… من الآن».

واجعل حياتنا كلها في يديك، وسفينتنا لك، وشباكنا لخدمة ملكوتك.

ولإلهنا كل مجد وكرامة، من الآن وإلى أبد الآبدين. آمين.