القيامة غلبت الخوف
أن الخوف لهو من أقوى أعداء الإنسان حتى صار المثل العامى ” أن فلان مات من الخوف ” ونحن لا نقصد به الخوف الغريزى بل الخوف النفسى – وأصعب درجات الخوف هو خوف الإنسان من نفسه – أى من لا شئ والخوف يتسرب إلى حياتنا بطرق كثيرة – فأحياناً يكون الخوف مما يخبئه المستقبل لنا وهذا هو مشكلة هذا الجيل ومن أمثلة هذا الخوف نتذكر :
خوف الشاب من المستقبل المادى ونوع الكلية التى سيدخلها ، ومستقبل وظيفته .
وخوف الأباء على مستقبل أبنائهم ودخولهم الجامعة .
وخوف الأم على مستقبل بناتها وزواجهن حتى يصل بها الخوف إلى الألتجاء إلى السحرة والشعوذة والبحث هن وجود عمل .
كذلك الخوف من المستقبل المادى والماهية والإيراد ومصاريف الأبناء … والبحث عن هجرة أو عمل خارجى
كل هذا يقع تحت عنوان الهم – والأهتمام بالغد مع أن الغد هو فى يد الرب ( أن الهجرة أو البحث عن عمل خارجى ليس دائماً سببه الخوف بل أقصد الخوف الذى سببه القلق والهم )
-
الخوف من الماضى ، وأخطائه الذى أصبح لا خلاص منه ، ومشاكل الماضى التى أساءة إلى سمعتنا وفكر الناس عنا ، وعلاقتنا بالأخرين التى تعقدت جداً جداً … كل هذا جعل الماضى فى حياتنا مستحيل التغير … مع أن الرب يسوع دخل إلى تلاميذه والبواب مُغلقة وأنهى على كل أثار الماضى فى حساب التلاميذ .
-
والخوف من الفشل وفقدان الثقة بالنفس والشك فى القدرة على النجاح وفقدان الأمل مع أن يسوع قام فى فجر الأحد بعد ظلمة شديدة .
-
والخوف من المرض ، الذى غالباً ما يؤدى إلى مرض الوسواس … وأكثر أنواع الأمراض النفسية التى بدأت بالوهم والخوف من المرض ، والخوف من الضعف الجسدى والقدرة على الزواج … كلها مخاوف تدور حول الجسد – الذى مركزه الذات … علماً بأن شعور رؤوسنا محصاه أمام الله .
-
والخوف من الأضطهاد ، والظلم والتهم الباطلة … والأمواج الهائجة التى تأتى من حيث لا ندرى ، ونقذف بسفينة حياتنا . ويسوع يقول ” أنا هو لا تخافوا ” .
-
والخوف من الموت … الذى هو أقصى درجات الخوف ، وأكثر من مرة رأيت أشخاصاً كلما ذاد مرضهم كلما ذاد خوفهم حتى أنه من شدة الخوف من الموت ، وعلى أولادهم وعلى مستقبلهم كانوا يزدادون سوءاً ويأتى الطبيب ويقول أن الحالة النفسية مهمة للشفاء … وفجأة والأبواب مُغلقة يدخل حياتهم وشركة آلام المسيح فتدب القيامة فى حياتهم … وأخرون يغلبهم الخوف ويسرع بهم إلى الموت ، أن الخوف من الموت هو أقصى درجات الخوف لأنه مرتبطة بالذات .
وكم من مرة أخذت أتسائل كيف نعيش القيامة الغالبة للموت ولا نخافه لابد أن القديسين قد عاشوا القيامة وهم يجتازون الموت ، بل أن بعضهم كانوا فى حالة فرح وتهليل والبعض الأخر قال : ” لى أشتهاء أن أنطلق ” ، والبعض الثالث كانوا منظر الموت أمامه كل حياته لكى يكفر بالعالم وبالذات … بل كان الموت أحياناً سبباً لخروج القديسين من العالم للتعبد فى الصحراء ولقد كان للموت الجسدى شوة عند بولس الرسول .
فكانت الأجابة لنفسى على هذا السؤال ” أن الخوف من الموت سوف يلازم الإنسان إلى أن يموت الإنسان عن الذات فيعيش القيامة .
-
القيامة الأولى المنتصرة على الخوف مرتبطة بالصليب :
-
الذين قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات … يعيشون القيامة .
-
والذين قد صلبوا العالم لأنفسهم وأنفسهم للعالم … لا يخافون شيئاً ، والذين لا يشتهون ولا يخافون يضعون أقدامهم على قمة هذا العالم ( أغسطينوس )
-
لقد أوصانا ربنا كثيراً بصلب الذات وأفكارها وبيَّن لنا حدود أمتداد الذات : أباً وأماً وزوجة وأولاداً وأخوة وأخوات حتى النفس ( لو 14 : 26 ) وطالبنا ببغضتم وقد تمتد الذات إلى النفس فتشمل الجسد ” لا تخافوا من الذين يقتلون جسدكم ” ( لو 12: 4) ثم تمتد إلى الأموال والمقتنيات والكرامة والمجد الباطل … وهنا أفتقر سيدنا ليغذينا ، وهرب أمام هيرودس ليجعلنا نغلب كرامتنا … هذه هى الذات مصدر كل خوف .
-
ورأيت فى حياة القديسين أن الإنسان التائب لا يخاف الموت لأن الخوف من الموت سببه الخطية ، والخطية هى شوكة الموت – فإن من يمارس التوبة ويهتم بخلاص ويتاجر بوزناته لا يخاف الموت . بل ينتظر ملاقاة ربنا يسوع ليسمع الصوت القائل ” نعماً أيها العبد الصالح والأين كنت أميناً فى القليل فأقيمك على الكثير … “
-
كذلك رأينا فى حياة القديسين أن الذى يحب الصلاة لا يخاف الموت فالصلاة هى الطاقة التى يطل منها الإنسان على الأبدية .
فالقديسون كانت حياتهم صلاة فهم عاشوا الأبدية وهم على الأرض والصلاة هى حب الوجود الدائم مع الله والموت هو الطريق للوجود الدائم مع الله (1تس 4: 13) كذلك الصلاة هى حب ، والحب يشتهى الاتساع والشبع من اللانهائيات ، والجسد عقبة فى الطريق إلى اللانهائيات لذلك فرجال الصلاة لا يخافون الموت أبداً .
أعرف إنسانة عند موتها كلنت تضع يدها تحت الوسادة ( المخدة ) عدة مرات ، ربما كانت تخبئ المال تحت الوسادة فتجاسرت ووضعت يدى مع يدها فوجدت الأجبية لأنها كانت ملازمة لها … حقاً حيث يكون كنزل هناك يكون قلبك .
ربى يسوع أين نحن الآن من حياة هؤلاء الذين لم يخافوا من ذواتهم ، بل غلبوا الخوف بالقيامة .
أعطنا ياربى أن نذوق طعم القيامة الأولى بأن نصلب الذات والعالم ونعيش قوة التوبة وقيامتها ، وحياة الصلاة وشركتها .
أيقونات غالبة للخوف
-
أيقونة ربنا يسوع المصلوب :
-
غلب العالم ” ثقوا أنا قد غلبت العالم ” ، ” رئيس هذا العالم آت وليس له فىّ شئ “
-
غلب الشيطان وسحقه بالصليب
-
حرر المسبيين ” كررز للأرواح التى فى السجن ” (1بط 3: 19)
-
أودع روحه فى يدى الآب ” فى يديك أستودع روحى “
-
ارتفع إلى فوق فجذب الجميع إليه
لم يخف على جسده أو من الصليب وآلامه ، ولا من العار ، ولا من شر هيرودس وبيلاطس ورؤساء الكهنة ، بل أحب الجميع إلى المنتهى .
-
أيقونة الشهيد :
هؤلاء الشهداء كانوا مملؤئين بقوة أقوى من الموت – إنها قوة القيامة الأولى . فبعضهم مات وقام عدة مرات مثل مارجرجس لأن قوة القيامة التى عاشها كانت أقوى من الموت . وبعضهم لم يقبلوا النجاة بل واجهوا الاستشهاد بفرح لأن قوة القيامة فيهم كانت أقوى من عذاب الوثنيين كالتسعة والأربعين شهيداً شيوخ شهيت .
أما القديس بطرس خاتم الشهداء فلم يقدر أحد من الجند أن يقتله لأن نوراً سماوياً كان يشع من وجهه – لذلك أخرج الضابط المسئول عن تنفيذ قطع رقبته 25 قطعة من الذهب وقال ” هذه مكافأة لأى جندى له شجاعة أن يقطع رقبته ” فتجاسر واحد وقطع رقبته بالسيف .
يا للشجاعة وعدم الخوف التى عاشها هؤلاء الشهداء ، إنها قوة القيامة . فالشهداء هرب الخوف من حياتهم لأنهم صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات . وبالصليب صلبوا العالم وصلبوا أنفسهم للعالم .
إن الاستشهاد هو أقوى علامة على قوة القيامة الأولى وكذلك على فشل الوالى وخوفه من مسيح المسيحيين – إن الاضطهاد وقوانينه وتشريعاته فى كل عصر ليست إلا علامة على خوف أصحاب هذا العالم من إله المسيحيين الشجعان وخوفهم على دياناتهم من وصايا يسوع المجسمة فى حياة القديسين الشهداء . لذلك وضعت الكنيسة الشهداء على قمة كل القديسين لأنهم الشهود الأقوياء على حقيققة القيامة الأولى .
-
أيقونة شاب يحتفظ بطهارته رغم التهديد :
أحضروا لمارجرجس شابة خليعة لتسقطه فى الخطية ووجدته يصلى وإذا به يجذبها بقوة من شهوتها حتى نالت إكليل الاستشهاد وهى تقول ” أحضرونى لأسقطك بسحر خلاعتى وأنت جذبتنى بسحر طهارتك ” إنها قوة القيامة – قوة الطهارة – لنفس ماتت عن العالم فعاش المسيح فيها .
وما أجمل أيقونة يوسف العفيف أمام الطاغية إمرأة فوتيفار إنه يعرف مصير رفضه … السجن والقتل .
هؤلاء قال عنهم بولس الرسول أنهم جاهدوا ضد الخطية حتى الدم ( عب 12: 4) فلم يبق للخوف أثر فى حياتهم بل عاشوا فى قوة القيامة . إنه لا يغيب عن ذهنى صورة شاب متغرب عن الأسكندرية كان يسكن فى بنسيون مع امرأة مطلقة لا أنسى وقفته أمامها وهى عارية تغريه بالخطية والمال … وهو يقول أنا لا أغضب المسشيح من أجل كل إغراءاتك – إنه كان أقوى من الشهوة والإغراء – أنه كان يعيش القيامة .
-
الكجتهدون الذين لم يخافوا على أجسادهم :
كانوا يحبون الصوم ولم يخافوا ضعف الجسد ، كانوا يحبون السهر ولم يخافوا على صحتهم ، كانوا يزهدون العالم وهم يحسبون أن كل ما هو للجسد خسارة كانوا يقبلون سلب أموالهم بفرح ( عب 10: 34) كانوا فرحون ويتهللون عندما يهانون ويضطهدون لأنهم مسيحيين ( أع 5: 41) أخيراً لم يحبوا حياتهم ( رؤ 2: 11) والعكس فالذين أحبوا أجسادهم وخافوا عليها أتعبوها من كثرة الأكل والراحة … وأصبحت كثرة الأكل والسمنة وشهوات الجسد أحد أسباب أكثر أمراض القلب الخطيرة اليوم .
يا أحبائى : المسيح قام ودخل حياتنا والأبواب مغلقة بالمعمودية . فلنطرح عنا الخوف ، ونحمل صليبنا بقوة وشجاعة مع ذاك الذى داس الموت بالموت ، متكلين على وعوده الذهبية .
أنا هو لا تخافوا
لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد
افرحوا وتهللوا
صلوا كل حين
-
أيقونة التائبيين هى أيقونة الغالبين الخوف :
وإن كانت الكنيسة فى غربة العالم يبيدو عليها ظاهرياً أنها مضطهدة ومتضايقة وبائسة .. ولكن من قلبها يخرج نشيد القيامة القوى مع الرسول قائلاً ” مكتئبين فى كل شئ لكن غير متضايقين – متحيرين لكن غير بائسين – مضطهدين لكن غير متروكين – مطروحين لكن غير هالكين – حاملين فى الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكى تظهر حياة يسوع أيضاّ فى أجسادنا . لأننا نحن الأحياء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع لكى تظهر حياة يسوع فى جسدنا المائت” ( 2كو4: 7-11 )
إن النفس الساقطة عندما تقوم تشع منها قوة هائلة من قوة قيامة الرب يسوع . تأموا معى ….