
امراه كانت خاطئه
لم يكن غريبا أنَّ الرب كلِّي القداسة يُجالس العشَّارين والخطاة لأنه لهذا جاء، ولأنهم مَن يحتاجون إليه. فالطبيب ليس للأصحَّاء (أو مَن يظنون أنهم كذلك)، وإنما هو للمرضى (ومَن يقرُّون أنهم كذلك). الرب أظهر لهم حبه، وأعطاهم رجاء في حياةٍ أفضل.
ولكنه لم يكن يرفض دعوة غيرهم. وإذا كان أكثر الفريسيين يضيقون به وينتقدونه، ولكنه كان يسعى إليهم، فهُم عنده أيضا « أولاد إبراهيم »
ولهم حق فيه، وهو يريد أن يقودهم هم أيضا – رغم أنهم واثقون بأنفسهم أنهم أبرار- إلى التوبة ونوال الخلاص.
وهكذا لبَّى الرب دعوة سمعان الفريسي ليأكل عنده. فدخل بيته، وكعادة الجلوس في ذلك الزمان، اتَّكأ الرب على وسادة أمام مائدة منخفضة وثنى ساقيه أو مدَّهما خلفه.
» امرأة في المدينة كانت خاطئة «
ولكي يكتمل أبطال هذه الواقعة البارزة في إنجيل معلِّمنا لوقا، تدخل إلى البيت «امرأة في المدينة كانت خاطئة» فهي امرأة يعرفها الجميع في المدينة الصغيرة.
ونفهم من النص أن حياتها تغيَّرت، وأنها توقَّفت عمَّا كانت تُمارسه، واختبرت توبة على يدي الرب. متى وكيف؟ فهل هي التقت بالرب من قبل؟ أم أنها سمعته أو سمعت عنه، وسلَّمته حياتها الجديدة؟ كما يبدو فقد بَقِّيَت تترقَّب فرصة للقائه، كي تُعبر عن امتنانها وشُكرها لمَن نقلها من الظلمة إلى النور، وردَّ لها كرامتها المفقودة.
فلما جاء الرب إلى المدينة وعَلِّمَت أنه في بيت الفريسي، لم تُبالِّ أن تدخل بغير دعوة، بل ودون أن تتوقَّف، وهي امرأة يُلاحقها ماضيها عن أن تظهر أمام الجميع مِّمَّا قد يُع رضها للتشهير والإهانة.
هي قد جاءت للرب وحده، ولم تَرَ في المكان أو يهمُّها غيره. لقد تغيَّرت حياتها، وهي أتت تُقدم حبَّها وتؤكد توبتها أمام غافر الخطايا.
وهي جاءت مستعدَّة، ومعها قارورة طيب، لم تضنَّ بها على مَن قادها إلى التوبة والتطهُّر كأنها خُلِّقَت من جديد. وهي لم تَنْسَ – في محضر الرب – ماضيها الذي خلَّصها منه. ومن هنا وهي منسحقة متوارية
» وقفت عند قدميه من ورائه باكية «
.ولأن الندم كان جائحا والمشاعر المختلطة بالفرح كانت جيَّاشة وصادقة، فالدموع السهلة كانت تسيل مدراراً حتى أنها بلَّت قدمَي الرب التي كانت في متناولها.
وإمعانا في التوقير والإجلال كانت تمسح قدمَي السيد المُبللة بالدموع بشعرها الذي هو تاجها ومجدها ( 1كو 11: 15) ، كما كانت تُقبلهما. ثم جاء دور الطيب الثمين ليدهن القدمين المقدستين، ويُكلِّل تقدمتها الغنية التي اختلط فيها إعلان توبتها وتجديدها بحبها الغامر وفرحها وامتنانها.
هذا كله كان فعلاً وحقا وإنْ كان بغير كلام. فالحب الحقيقي الصادق لا يتكلَّم كثيراً ولكن يسهل إدراكه. والتوبة في أساسها فعل باطني في القلب والفكر يُدركه الله فاحص القلوب والكُلَى، وليست هي الكلمات. والابن الضال، قبل أن يصل إلى أبيه وقبل أن ينطق شيئا،ً ركض نحوه أبوه ووقع على عنقه وقبَّله ولم يُتِّحْ له أن يُكمِّل كل كلماته التي كان قد أعدَّها فقد أدرك الأب صدق توبة ابنه وانسحاقه ( لو 15 : 11 – 32 ).
والعشَّار التائب الذي أثقلت الخطية قلبه وقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره « ولم يَقُل غير اللهُمَّ ارحمني أنا الخاطئ ، ولكن لأنه كان تائبا حقيقيا،ً يقول الرب عنه إنه» نزل إلى بيته مُبرَّر ا «). لو 18 1 : – 9 )
عن سمعان الفريسي :
لا شكَّ أن سمعان الفريسي فَعَلَ حسنا باستضافته الرب، ولكن المُلابسات تكشف أنه مثل كثيرين علاقاتهم بالله شكلية سطحية. فدعوته للرب كانت ربما للمجاملة والتفاخُر وليس أكثر، وهذا واضح في أنَّ معاملته للرب كانت فقيرة غير لائقة. وهو يُعبر حسب الظاهر عن حفاوته، بينما هو في داخله ينتقد المسيح ويُشكك في نبوَّته لو كان هذا نبيا لَعَلِّمَ مَنْ هذه الامرأة التي تلمسه وتُنجسه: (وما هي ) ماذا تكون ! إنها خاطئة
فهي عنده الخاطئة المُحتَقَرة التي يعرفها الجميع في المدينة ولا أمل في توبتها
بين سمعان والمرأة:
أمام هذا المشهد ورداً على ما دار في فكر سمعان الفريسي، البار في عيني نفسه، وإدانته للمرأة، وضعف تقديره لشخص الرب؛ أخذ المعلم ناصية الكلام، عاقداً مقارنة بين موقف كل من سمعان الفريسي الملتزم معلم الشريعة والمرأة التي كانت خاطئة ولكن أدركتها نعمة الله فتوَّبتها. وبدأ الرب مُوجها الكلام لسمعان الفريسي لافتا انتباهه بالقو ل : « يا سمعان عندي شيء أقوله لك »
.ثم قدَّم هذا المَثَل عن مُداين (الله ) ومديونَيْن ( الكل) ، وكان على واحد منهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون ( تفاوت في كَم الخطايا ونوعها)، ولما عجزا عن السداد سامحهما كليهما. وهنا سأل الربُّ الفريسي
« مَن منهما سيحبه أكثر؟ »
فأجاب الفريسي: « أظن أن الذي سامحه بالأكثر »: ( متحفِّظا مُتردداً )
فأمَّن الرب على إجابته.
وبعدها بدأ الرب في تطبيق المثل ملتفتا إلى المرأة ومُوجها نظر سمعان إليها: فمقابل التحفُّظ والشُّح وضعف المحبة من جانب الفريسي في معاملته للرب ( لم يغسل رِّجلَي الرب حسب تقاليد الضيافة السائدة، ولم يُقبله تعبيراً عن المودة، ولم يدهن رأسه بالزيت إكراما )، كان هذا الحب الغامر للمرأة والانسحاق بغير تحفُّظ ( في غسل رجليه بالدموع ومسحهما بشعر رأسها، وتقبيل قدميه ودَهْنهما بالطيب(.
ولأن المرأة كانت تُدرك سوء حالها وخطاياها الكثيرة، فكان غفرانها موضع امتنانها لأنها ( لأجل ذلك ) أحبت كثيرا
أما المعتدُّون ببرهم – كالفريسي – الذين يشعرون أنهم أبرار وخطاياهم قليلة، و حاجتهم إلى التوبة ليست مُلحَّة، لا يختبرون فرح الغفران ويكون امتنانهم محدوداً فقيراً. فلا إيمان ولا حب ولا يشعرون في قرارة قلوبهم أنهم مدينون فعلا .
» مغفورة لكِ خطاياكِ «
ثم ها هو الرب يُفرِّح قلب هذه التائبة السعيدة مُعلنا ما تمتعت به بالفعل عند توبتها ، فالتائب تُغفر خطاياه في دم المسيح عندما يعترف بها أمام الله بإيمان صادق وتوبة قلبية؛ وفي الكنيسة يسمع الصوت الذي يُعطيه الحِّلَّ من خطاياه ويُرشده إلى الثبوت في الحياة الجديدة، ويُعيده إلى شركة الكنيسة، ويُبهج قلبه بالتقدُّم لتناول الأسرار الإلهية.
الغفران هو بمثابة إنقاذ الغريق، أو الإقامة من الموت
وفي الختام يقول الرب للمرأة. « إيمانك خلَّصكِّ »
فالإيمان هو وسيلة الخلاص بدم المسيح، وأُولى خطواته هي التوبة
ويتبعه بالقول «اذهبي بسلام» أي في سلام ، فقد انزاح الهمُّ وسقطت العقوبة، وحَلَّ الفرح وتجدَّدت الحياة )
كلنا في حاجة إلى التوبة:
الرب كشف أن الجميع مديونون (النوع). ربما يختلفون في حجم الدَّيْن (الدرجة)، ولكنهم جميعا عاجزون عن إيفاء الدَّيْن وتبرير أنفسهم. الكل خطاة وفي حاجة إلى توبة (يو 8 : 7 )
والتائب الحقيقي ( مثل المرأة التي كانت خاطئة )هو مَن يشعر أنه خاطئ في حاجة إلى غفران، وهو صادق في انسحاقه وخجله وصِّغَر نفسه أمام بر الله، ومهما كان حجم خطاياه فدم المسيح قادر أن يُطهر من كل خطية ويُخلِّص إلى التمام (عب 7 : 25 ) وهكذا يمكن أن يتحوَّل أكثر الناس خطية ليصيروا من أعاظم القديسين.
المؤمن المدَّعي ( مثل سمعان الفريسي) هو متدين شكلي يشعر أنه بار وليس في حاجة إلى توبة. وهو لا يعرف الانسحاق أو الخشوع أو السجود بالروح والحق ويسلك بغير مخافة. ربما يُقدم مالاً أو يستضيف رجال الكنيسة كي ينال كرامة. ويظل ما يتحصَّل عليه هو وأمثاله ( أصحاب الإيمان الفقير والحب الغائب ) من غِّنَى الله القليل. لا حَلَّ هناك لإنقاذ حياتهم غير أن يكتشفوا أنهم خطاة كسائر الخطاة، وفي حاجة إلى توبة
تُضرم إيمانهم بالمسيح وحبهم له بمثل ما صنعت المرأة الخاطئة.
إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم ( رو 13 : 11 )
هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص ( 2كو 6 : 2 )
