صعود جسد العذراء مريم

تحتفل الكنيسة هذه الأيام بتكريم جسد العذراء، صعود جسدها إلى السماء هو عمل تكريمي فائق من قبل السماء ، تكريم أجساد القديسين عقيدة أرثوذكسية . هذه العقيدة لا تنبع من فراغ، موسى بعد مقابلة طويلة مع الله استلم فيها الوصايا والناموس أخذ وجهه يلمع بصورة لم يحتملها شعب إسرائيل، لأن النور الذي كان يعكسه وجه موسى كان نوراً إلهيا، والنور الإلهي يعبر عن حضرة إلهية ، فالله كان يرى في وجه موسى، لذلك اعتفى الشعب العاصى من رؤية وجه موسى لأن الخطية والله لا يمكن أن يتواجها ، فلبس مرسى برقعا ، اعتبره موسى تعبيراً عن عمى بصيرة هذا الشعب .

ثم عاد بولس الرسول يقول إن كانت خدمة الناموس الذي جلب الدينونة والموت
انشات هكذا مجداً منظوراً للمجد ولمعاناً وإشراقاً لوجه الانسان يمكن أن يرى بالعين البشرية ، فكم بالأولى أو بالأخرى تنشئ، خدمة البر من بعد ؟؟

والآن، وعلى هذا الاساس، تقول فيما يختص بالعذراء  . إن كان موسى عند استلامه مجرد كلمات مكتوبة بأصبع الله صار وجهه يلمع، تعبيراً عن المجد الذي أصاب الجسد، فكم يكون المجد الذي يمكن أن يكون عند العذراء

عندما تقبلت في أحشائها كلمة الله نفسه ابن الله بشخصه متخذا من جسدها جسداً له بعد إعداد بواسطة الروح القدس وتظليل كلى بقوة الله من داخل ومن خارج ، أي مجد إذن أصاب جسد البتول؟. أو كما يقول بولس الرسول إن كانت خدمة الدينونة التي استلمها موسى بالوصايا والناموس أنشأت فيه مجداً نضح على جسده ؟ دام معه ، فكم تنشي. بالحرى خدمة البر التى أؤتمنت عليها العذراء بحلول النور الحقيق البشري نوراً إلهيا في أحشائها وقبوله جسداً من جسدها ؟

كلنا نعلم كيف أمات الله موسى ودفنهه بنفسه في جبل نبو في رأس الفسحة بعيداً عن أعين الشعب خوفاً من انحراف قد يصيب الشعب فيقوموا بعبادة جسده ، لأنه يبدو أن النور ظل يشع منه حتى بعد موته ، لذلك قيل عنه في سفر التثنية ، ولم يعرف إنسان قبره الى هذا اليوم .. ثم نعود ونقرأ شيئاً في رسالة يهوذا عن جسد موسى يكشف عن أهمية خاصة لجسد موسى أن ميخائيل رئيس الملائكة لما خاصم إبليس محاجا عن جسد موسى قال له : « لينتهرك الرب، ويبدو من هذا أن رئيس الملائكة ميخائيل كان منوطاً به حراسة الجسد أو الصعود به إلى السماء . وحاول إبليس أن يسترده أو يكشف عن مكانه لتضليل الشعب فوقعت معركة بينهما استنجد فيها رئيس الملائكة بالرب باعتباره رئيس جند السماء

فإن كان قد صار اهتمام الله هكذا أن يقوم بدفن موسى بنفسه ثم تعيين رئيس الملائكة ميخائيل لحراسة الجسد أو ربما الصعود به إلى السماء – حسب تقليد اليهود . وكل هذا كان بسبب أن جسد موسى نضح عليه مجد الله وانعكس عليه نور وجهه بسبب تواجده مع الله أربعين يوما وقبوله من يديه وصايا مكتوبة : إذن فتكريم الأجساد في العقيدة الارثوذكسية لا ينبع من فراغ. وبالتالى كم يكون اهتمام الله والمسيح نفسه بجسد العذراء بعد نياحتها الذي نال حلولا دائماً للروح القدس وملء النعمة وتظليلا خاصاً بقوة العلى ثم حلول المسيح القدوس كلمة الله تسعة أشهر في أحشائها ؟

صحيح أنه لم يلغنا أن جسد العذراء كان يلمع بنور سمائي ، ولكنا نعلم يقيناً أن هذا كان تمادياً أو امتداداً للإخلاء الذى جازه المسيح ليخفى مجد لاهوته . لأن المسيح نفسه في كل أيام حياته لم يلمع جسده إلا مرة واحدة ولفترة قصيرة يوم التجلى، مع أنه هو النور الحقيق نور العالم كله الذي بنير دائماً أبداً لكل إنسان !واضح إذن أن هناك تدبيراً إلهياً وخطة وتصميماً لإخفاء كل مجد الميسح ، وبالتالى

 إن نياحة العذراء كانت كنياحة موسى، احتاجت أن تتم في خفاء وإخفاء خصوصاً وأن في زمن نياحتها كان الأنجيل قد بلغ أوج استعلانه حيث عرف المسيح أنه هو ابن الله الحقيققي لمولود من العذراء مريم ، لذلك لا تسمع عن نياحة العذراء في الانجيل أو في الرسائل، وبالتالى ظل صعود جسدها يتداول بالتعليم السرى فقط في القرون الثلاثة الأولى، حتى لا تتركز عليها أضواء أكثر من اللازم، فتنحرف العبادة ت عن مسارها  ، حتى لا يخرج الإيمان بالمسيح عن حدوده المرسومة ولا يفقد الصليب عاره ولا تدخل كرامة العذراء في حدود عبادة أو تكريم يكون خاصاً بالله فقط .

وإن كان جسد موسى لانه لمع وجهه بنور الله احتاج من الله أن يدفته بنفسه وينوط بحراسته رئيس الملائكة ميخائيل، فلا نتعجب أبداً حينما تسمع أن المسيح جاء بنفسه وقت نياحة العذراء واستقبل روحها الطاهرة وصعد بها إلى السماء ، أما الجسد فبلا شك أنه أحيط بحراسة خاصة من رئيس الملائكة ميخائيل إلى أن رفع إلى السماء في الوقت المحدد. وهكذا فإن جسد العذراء الذي كان موضع عناية الآب السمائي منذ لحظة البشارة

وقبول الحمل الإلهى لم يزل مكرماً حتى رفعه الله بكرامة ملائكية . أما صعود جسد المدراء وتكريما لهذا الصعود فهو جزء لا يتجرأ من ايماننا  بالأخرويات  لأنه معروف أن قيامة الأجساد من صميم عمل المسيح في الدهر الآتي ، وإن كان صعود جسد العذراء ليس في حقيقة فعل قيامة ، إلا انه حالة تجلى ، ظهر فيا السيد محمولا على أيدي قوات ملائكية تمهيداً لقيامة تمت أو ستم هناك .

كل عام وانتم بخير بركة وشفاعة امنا العذراء مريم تشملنا جميعا .نسالك اذكرينا ايتها الشفيعه المؤتمنه امام ربنا يسوع المسيح ليغفر لنا خطايانا