
يوم الجمعة العظيمة هو يوم صليب مخلصنا
لا تستطيع كلمات ولا تعبيرات بشرية أن تقترب مجرد اقتراب من سر الصليب. إنه سرٌّ غير مُدرك، سر يتلاقى فيه الموت والحياة. سر يتقابل فيه الألم الشنيع والضعف مُنتهى الضعف مع مُنتهى القوة، بل مع قوة فوق الزمن.
اليوم نرى المسيح الصادق الأمين الذي قال عن نفسه: أنا هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف، يُتمم فدائناعلى الصليب، ويقول: ليس حب أعظم من هذا أن يضع إنسان نفسه من أجل أحبائه
فنري في ذلك وجوه متعددة للصليب
١- الوجه المقابل لله الآب:
هذا الوجه يختص بالله تبارك اسمه. هو عمل الله الكفَّاري لخطايانا. فإذا كنا نقول بالمعمودية: أنا مع المسيح صُلبت، ومع المسيح مُت، ومع المسيح قُمت؛ ولكن لا أحد يجترئ ويقول: أنا مع المسيح سفكتُ دمي. هذا عمل يختص به المسيح وحده، هو عمل خاص به، لا نستطيع نحن أن نُشارك فيه. إنه عمل إلهي خاص بالعلاقة التي بين الآب والابن التي تجسد ليكملها من أجلنا. نحن عندما نقول أن المسيح سَفك دمه على الصليب، نتذكر على الفور ما كان يتم يوم عيد الكفارة عندما كان يدخل رئيس الكهنة وحده مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس وينضح بالدم ويكفِّر عن الشعب. هذا هو تماماً ما فعله المسيح عندما دخل إلى الأقداس بدم نفسه، ونضح على جسده، أي على البشرية كلها، وتراءى أمام الآب والدم عليه، فوجد لنا فداءً أبدياً. واُعتبر هذا ذبيحة كفَّارة عن كل خطية اقتُرفت من آدم إلى آخر الدهور.
الفعل الثاني لسفك الدم والتقدم به للآب مُتَّصلٌ وتابع بالضرورة لذبيحة الكفارة: هو الفداء. المسيح عندما قدم ذاته كذبيحة كفارة والدم عليه ؛ فإن الآب قَبِلَ هذه الذبيحة، هذا هو الفداء، وأصبح الإنسان مفدياً. لقد كانت البشرية كلها أمام الله ميتة، لأن اللعنة جازت من آدم لكل نسله. المسيح تقدم إلى الآب، بموت نفسه، لكي يقدم هذا الموت إزاء كل موت آخر لكل إنسان. فإذْ قُبِل هذا الموت ، أو قُبِلت هذه الذبيحة الكفارية؛ يكون هنا الفداء قد أُكمل.
الفعل الثالث هو المصالحة، هو تالي ومتصل بالكفارة والفداء معا، ومن ثم صارت المصالحة. فالمصالحة هنا هي استجابة الآب. وهكذا قيل: “وكان الله مصالحاً العالم لنفسه بالمسيح”.
٢- هناك وجه آخر للصليب هو المواجه للشيطان
الشيطان هو المشتكي علينا وعلى إخوتنا ليلاً ونهاراً، هو لا يطيق نجاحنا، هو دائما يحسدنا، ثم هو يعرف ماضينا وما اقترفناه في حياتنا، لذلك هو يُذكِّر الله بها، تماماً كما رأيناه في شكواه على أيوب، لذلك هو يضع أمام الله كل مُسوِّغاته في الأفعال التي يمسكها علينا، ويُدعِّم شكاياته علينا ليثبت له عدم استحقاقنا. أما الله، فمن جهته، فهو يرى أمامه دم ابنه كل حين، فعلى الفور، وفي الحال، تسقط كل شكاوي الشيطان. كما يقول معلمنا يوحناالحبيب: “دم يسوع المسيح ابنه يُطهرِّنا من كل خطية” (1 يو 1: 7). فصارت كل شكوى تُقدَّم وتُقام ضد أولاد الله مرفوضة. ويبلور معلمنا بولس الرسول هذا المفهوم ويقول: “من سيشتكي على مختاري الله؟” (رو 8: 33). فإذا كان المسيح هو الذي له وحده حق الدينونة علينا فنحن بكل تأكيد مُبرَّؤون، وتسقط كل القضايا المرفوعة ضدنا.
كذلك الشيطان يمكن أن يشكونا ضد أنفسنا، يُزيِّف ضمائرنا. نعم قد يجعلك تقرع صدرك، ويقول أنت خاطئ وشرير، ولكن إلى هنا ليس هناك خطأ، ولكنه بعد ذلك يوقعك في اليأس، ويوهمك أنه ليس لك رجاء. ويجب أن تُفرِّق بين صوت روح الله المتكلم في الضمير وصوت الشيطان الكاذب في الضمير. صوت الله يعطي تبكيتاً، ولكن لخلاص ورجاء بلا ندامة، في حين أن صوت الشيطان هو للتأنيب، وينتهي باليأس.
وخدعة أخرى للشيطان يحارب بها أولاد الله، هو أنه قد يقنعهم بزيادة الجهاد الروحي، بزيادة الميطانيات، بزيادة السهر. ويسير الشخص في هذا الطريق، للأسف، بلا مشورة، فيجد نفسه ”في محلك سر“، إذ يكون ما يزال واقعاً تحت نفس الضعفات الأولى، بل ولا يتقدم قَيْدَ أُنملة في الطريق الروحي. في الحقيقة إنه لا عيب في الجهاد بحد ذاته ، لابد من قمع الجسد، لابد من الميطانيات، لكن هذه وحدها فقط لا تكفي، وهي لا تُغْني عن دم المسيح. فالسبب الرئيسي لغلبة الشيطان علينا هنا هو أننا نجاهد ببرِّنا الشخصي، نجاهد بقوتنا الرخيصة، نجاهد لحساب الذات.
أما الرد الوحيد على كل مهاجمة واتهام للعدو لنا هو:
دم ربنا ومخلصنا يسوع المسيح له فاعلية لانهائية. فخطايا البشرية كلها لا تقدر أن تُنهيه أو تستهلكه أو تستنفذه. لا خطية ولا ألف خطية تقدر أن تدينني أو تُعيِّرني أو يكون لها شكاية عليَّ أمام الله. أنا أمام المسيح مُبرَّأٌ، مُكفرٌ عني، مغفور الخطايا. كل اتهام يرفعه الشيطان ضدي مرفوض شكلاً وموضوعاً، لأنه مُقدَّم أمامه حق الفيتو. فحتى ولو كان المشتكي يشتكي علينا ليلاً ونهاراً، فالمسيح بدمه يشفع فينا أيضاً ليلاً ونهاراً. فشفاعته ضد شكايته. وأنا تماماً خارج الموضوع. المسيح محا الصك المكتوب علينا، رفعه من الوسط، كل الوثائق الممسوكة علينا مزَّقها في صليبه، كما نقول في صلاة الأجبية: “مزِّقْ كتاب يد خطايانا، أيها المسيح إلهنا”. المسيح، بدمه المسفوك على الصليب، ظفر بالشيطان، فضحه، جرَّده من كل أسلحته، أخضعه تحت رجليه. فهل بعد هذا يقدر الشيطان المُهلك أن يدخل البيت طالما الدم مرشوش عليه؟ هل تجوز أية شكاية أو عرائض اتهام علينا طالما نحن في حمى الدم؟ مستحيل بالتأكيد.
نعم، عليك أن تيأس من نفسك، ولا أقول تيأس من خطاياك، فكل خطاياك مغفورة، بل عليك أن تكفِّر بقدراتك ومحاولاتك النابعة من أصل المرارة داخلك، لا تتكل على أعمال صلاحك، فكل هذا لن يجديك، هو فقط دم المسيح.
٣-الوجه الثالث للصليب أمام كل واحد فينا
هنا الإنسان يكتشف أن المسألة ليست مجرد خطية تُرتكب، ولا فعل خاطئ يُفعل، ولا سلوك معيب يُدان عليه، لا، الأمر أعمق من هذا بكثير، فداخلي ينبوع فاسد، ميل مستمر للخطية حتى بدون فعل. هذا هو الإنسان العتيق. والحق إن هذا المصدر هو أعمق بكثير من الأعمال والسلوك والخطايا، ذلك لأني كلما أُخطئ، أعترف وأتوب، والدم يطهرني؛ ولكننا هنا نتكلم عن المصدر، المنبع الذي تنبع منه هذه الأفعال الرديئة، والطبيعة الميَّالة للخطية. نحن خطاة ليس لأننا نعمل الخطية؛ ولكن لأننا أولاد آدم. عندما أخطأ آدم في الفردوس، نحن كنا معه في صُلْبه، فورثنا منه طبيعته الخاطئة. فآدم كان هو العِلة، ورثنا منه كل ما هو رديء وكل ما لا يُرضي الله. إذن ما هو الحل؟ كيف أُغير طبيعتي، ربما قليلاً نقدر أن نُغير بعض أفعالنا وبعض سلوكياتنا، ولكن المطلوب تغيير مصدر هذه الطبيعة. الحل لابد أن يموت آدم. ونحن جميعاً أولاد آدم.
ففي اليوم المعين، وفي الساعة المعينة العظيمة، الساعة التاسعة من يوم الجمعة العظيمة، نفذ الله تدبيره في المسيح، ومات المسيح، ومات آدم معه، وتخلصنا من آدم إلى الأبد. وهذا هو وجه الصليب الثالث. هذا هو العمل العظيم الذي عمله الله في المسيح لكل واحد فينا.
كان من العسير أن الآب يتعامل مع كل واحد فينا ليميته، فأرسل ابنه في شبه جسد الخطية ليدين الخطية، يدين المصدر، أي الينبوع المُلوث الذي تصدر منه سائر الخطايا.
