كنزك فين؟

اختارت الكنيسةُ الأحدَ الأولَ من هذا الصومِ المقدسِ للكلامِ عن الرحمةِ، لنظلَّ الصومَ كلَّهُ، بلِ العمرَ كلَّهُ، نتذكرُ كلامَ الربِّ يسوعَ عن العطاءِ.

ففي العطاءِ محبةٌ للناسِ، ومحبةُ الناسِ إنما هي قياسُ محبتِنا للهِ.

تريدُ الكنيسةُ أن ترجعَنا إلى ما كانت عليهِ في البدايةِ، ونجدُ هذه الحقيقةَ في سفرِ أعمالِ الرسلِ: “وكان لجمهورِ الذينَ آمنوا قلبٌ واحدٌ ونفسٌ واحدةٌ، ولم يكنْ أحدٌ يقولُ إنَّ شيئًا من أموالِهِ لهُ، بلْ كانَ عندَهم كلُّ شيءٍ مشتركًا..، إذ لم يكنْ فيهمْ أحدٌ محتاجًا، لأنَّ كلَّ الذينَ كانوا أصحابَ حقولٍ أو بيوتٍ كانوا يبيعونَها ويأتونَ بأثمانِ المبيعاتِ، ويضعونَها عندَ أرجلِ الرسلِ، فكانَ يوزَّعُ على كلِّ واحدٍ كما يكونُ لهُ احتياجٌا (اع ٤ :٣٢-٣٥.”

وفي البدايةِ، تذكرْ أنَّ المسيحَ هو أغنى الأغنياءِ، ومع ذلكَ نراهُ يتنازلُ عن غناهُ ويصبحُ أفقرَ الفقراءِ، وفي هذا يقولُ بولسُ الرسولُ: “من أجلكم افتقر وهو غنيُّ، لكي تستغنوا أنتم بفقرهِ” (٢ كورنثوس ٨: ٩)

فالعطاءُ يجبُ أن يكونَ بمحبةٍ وسرورٍ، ويقولُ معلمُنا بولسُ الرسولُ: “إنْ أطعمتُ كلَّ أموالي، وإنْ سلمتُ جسدي حتى احترقَ، ولكن ليستْ لي محبةٌ، فلا أنتفعُ شيئًا” (١ كورنثوس ١٣: ٣).

إنَّ شعبَ كنيسةِ مكدونيةَ يشهدُ عنهمُ بولسُ الرسولُ بأنهم أعطوا من تلقاءِ أنفسِهم، وهذا أجملُ أنواعِ العطاءِ، إذ قالَ عنهم: “من تلقاءِ أنفسِهم، ملتمسينَ منا بطلبةٍ كثيرةٍ أنْ نقبلَ النعمةَ وشركةَ الخدمةِ التي للقديسينَ” (٢ كورنثوس ٨: ٤).

وفي نفسِ الرسالةِ، نجدُ آيةً توضحُ محبةَ اللهِ للذي يُعطي بحبٍّ وسرورٍ: “المعطي المسرورَ يحبُّهُ اللهُ” (٢ كورنثوس ٩: ٧).

فليستِ العبرةُ بكمْ نعطي، بلْ كيفَ نعطي، نريدُ أنْ تكونَ عطايانا بفرحٍ وسرورٍ، لأنَّ العطاءَ الحقيقيَّ هو الذي ينبعُ من قلبٍ محبٍّ ممتلئٍ بالنعمةِ.

ففي العطاءِ بركةٌ وحصانةٌ لثرواتِنا، وفي هذا يقولُ الربُّ واضحًا: “إنْ كنتُ لا أفتحُ لكم كُوَى السماواتِ، وأفيضُ عليكم بركةً حتى لا تُوسَعَ، وأنتهرُ من أجلكمُ الآكلَ فلا يُفسِدَ لكم ثمرَ الأرضِ، ولا يُعقِرَ لكم الكرمَ في الحقلِ، قالَ ربُّ الجنودِ” (ملاخي ٣: ١٠-١١).

إنَّ البخلَ على الفقراءِ كثيرًا ما يحرمُنا من نعمٍ كثيرةٍ، ففي العطاءِ نجاةٌ لحياتِنا، ويؤكدُ هذه الحقيقةَ داودُ النبيُّ فيقولُ: “طوبى لمن يتعطفُ على المسكينِ والفقيرِ، في يومِ الشرِّ ينجيهِ الربُّ” (مزمور ٤١: ١).

العطاءُ من الكنوزِ السماويةِ المحروسةِ، لأنها في يدِ اللهِ الذي يحفظُ للإنسانِ تعبَهُ، فقد قالَ الربُّ يسوعُ: “من سقاكم كأسَ ماءٍ باسمي، لأنكم للمسيحِ، فالحقَّ أقولُ لكم إنه لا يُضيِّعُ أجرَهُ” (مرقس ٩: ٤١).

اللهُ يحفظُ أصغرَ العطايا وأقلَّ الأعمالِ، حتى لو أنَّ الإنسانَ الذي قدَّمها أو صنعها بنفسِهِ قد نسيها، فاللهُ يذكرُها، لأنَّه إلهٌ أمينٌ يُجازي كلَّ واحدٍ حسبَ أعمالِه.

تذكرْ أنَّ كنوزَ الأرضِ لا يمكنُ حفظُها من الفسادِ، وأكثرُ من عبَّرَ عن هذه الحقيقةِ هو سليمانُ الحكيمُ، إذ قالَ: “بنيتُ لنفسي قصورًا، واتخذتُ لنفسي مغنينَ ومغنياتٍ وراقصينَ وراقصاتٍ، وغرستُ لنفسي فراديسَ وجناتٍ، ووجدتُ كلَّ شيءٍ باطلًا.” ثمَّ وضعَ هذا التقريرَ النهائيَّ: “باطلُ الأباطيلِ، الكلُّ باطلٌ وقبضُ الريحِ، ولا منفعةَ تحتَ الشمسِ” (جامعة ٢: ١١).

تذكرْ أنَّ الشابَّ الغنيَّ رفضَ الحياةَ الأبديةَ رغمَ أنَّه كانَ متدينًا، فقد حزنَ مترددًا بينَ ميراثِ ملكوتِ السماواتِ وميراثِ الأرضِ، فهو لم يكنْ يعرفُ أينَ كنزُهُ. ولكنْ نجدُ العكسَ، فالقديسُ العظيمُ الأنبا أنطونيوسَ كانَ يعرفُ جيدًا أينَ كنزُهُ، فتركَ كلَّ شيءٍ وتبعَ المسيحَ.

وأخيرًا، من فضلكَ لا تكنْ من الناسِ الذينَ كلَّما زادتْ ثرواتُهم وكثرتْ أموالُهم، ازدادوا شوقًا إلى زيادتِها أكثرَ فأكثرَ، وتظنُّ أنَّ في هذا الكنزِ الأمانَ، فتبتعدُ كلَّ البعدِ عن الكنزِ السماويِّ. تذكرْ أنَّ كنزَكَ الأرضيَّ هو سببُ شقائِكَ، وأمَّا كنزُكَ السماويُّ فهو ضمانُ سعادتِكَ الأبديةِ.