المعاملة ليست بالمثل

من ق.لوقا 6: 27–38

في هذا الجزء الفريد من إنجيل لوقا، يقدم لنا الرب يسوع “ميثاقًا” جديدًا لعلاقاتنا مع الآخرين. لكن ليس أي ميثاق، بل ميثاق الملكوت… ميثاق الحب غير المشروط، العطاء بلا مقابل، الغفران المستمر، والرحمة الشاملة. و لنستخلص سويا بعض المبادىء الروحية و الايمانية العميقة من الشاهد الكتابى السابق كالتالى :

1.  “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ” – قمة التطوير فى مفهوم الحب

وصية محبة الأعداء ليست مجرد مطلب أخلاقي أو مثالي، بل جوهر الحياة المسيحية. فالمسيح هنا لا يعرض فكرة نظرية، بل يكشف عن صورة الآب السماوي، الذي يحبنا حتى حين نتمرد، و يشرق نوره على الأبرار والظالمين.

لكن من الناحية النفسية، محبة العدو تكشف عدة اشياء أعمق:

1- الحرية الحقيقية من الكراهية

2- الانتصار على الذات

3- القدرة على الشفاء الداخلي

فالعداوة تربط القلب بقيود الغضب، أما المحبة فتفكك تلك القيود وتطلق النفس للسلام.

2. وصايا تكشف الداخل… لا تُقَوِّم الظاهر فقط

“مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ، فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”

“مَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ، فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا”

هنا لا يدعونا الرب للاستسلام للظلم، بل يُدربنا على كسر دورة العنف.

أن لا نرد الإساءة بإساءة، بل بـ قوة داخلية مملوءة نعمة تغيّر من اعدائنا.

هو يدعونا لامتلاك سلطان داخلي أقوى من الانتقام. هذا السلطان يُثمر فينا ما لا تصنعه الشريعة الموسوية القديمة قبل نوالنا النعمة : “ثمر الروح… محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف…” (غلا 5: 22)

 

 

3. أخلاق فوق العدالة – منطق الملكوت الجديد

العالم يقول: “كما تُعامَل، عامِل”، أما الرب يسوع فيقول:

“وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمْ، افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هَكَذَا.”

هذه ليست مجرد “قاعدة ذهبية”، بل تجلي عملي لحياة النعمة. فالمسيحي الحقيقي لا يعيش على رد الفعل، بل على المبادرة النابعة من المحبة الإلهية.

4. هوية أبناء الله – نُشبه مَن نَعبُد

“فَكُونُوا رُحَمَاءَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ.”

ما يميز أولاد الله ليس المعرفة ولا الطقوس ولا الإنجاز… بل الرحمة.

الرحمة هي الوجه العملي للمحبة. إنها تعني:

1- أن أرى الضعف لا الخطيئة فقط

2- أن أبحث عن علاج لا عن إدانة

3- أن أقدّم رجاءً بدل التهديد

في زمن يميل إلى القسوة والحُكم السريع، يقول الرب: لا تدينوا… بل سامحوا، وأعطوا بلا حساب.

5. العطاء اللامشروط – امتحان الإيمان العملي

“أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلًا جَيِّدًا مَلْبُودًا مَهْزُوزًا فَائِضًا…”

كلمة “أعطوا” هنا لا تشير فقط للمادة، بل للقلب، والوقت، والاهتمام، والرحمة، والغفران.

ومن العجيب أن الرب لا يعد فقط بمكافأة، بل يستخدم لغة تجارية بلغة روحية:

“كَيْلًا جَيِّدًا مَلْبُودًا مَهْزُوزًا فَائِضًا” – إنه كيل إلهي، يعطي بسخاء لا يُقاس.

لكن العطاء هنا لا يُقصد به فقط الأخذ في المقابل، بل هو نمط حياة لمن يعيش بالنعمة.

كيف نعيش هذا التعليم اليوم؟

حين تُجرَح: لا تتعجل الرد… بل صلِّ لأجل من جرحك

حين يُساء فهمك: كن هادئًا، واثقًا في من يرى ما لا يُرى

حين تشعر أن الناس لا يستحقون محبتك: تذكّر أنك أنت أيضًا محبوب برغم عدم استحقاقك

حين تميل إلى الإدانة: اختر أن تبارك، وتفتّش عن العذر، وتُظهر الرحمة

في الختام…

ما يطلبه السيد المسيح ليس مجرد تحسين للسلوك، بل تغيير في الجذر و الجوهر و المضمون.

إنه يدعونا إلى مستوى أعلى من الحياة الطبيعية العالمية… إلى حياة المسيح

“مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي.” (غل 2: 20).

المسيحية ليست ديانة “افعل ولا تفعل”، بل حياة ممنوحة لنا كى نحياها و نتمتع بغناها و بهائها.

رحمة تُعطي، محبة تغفر، قلب يتسع، حياة تفيض.

“أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ”… لأن الله أحبنا ونحن بعد أعداء له.

مجدا للثالوث القدوس الهنا . امين