عظة لقداس الأحد الخامس من شهر بابه
يوحنا 6: 5-14

 اليوم الأحد الخامس من شهر بابه المبارك، فى إنجيل هذا القداس: معجزة إشباع الخمسة آلاف رجل. يضع لنا هذا الإنجيل مفتاحاً لحياتنا الروحية والمادية، مُعلناً أن مصدر كل شبع وبركة هو شخصه الإلهي.

يستهل القديس يوحنا الإنجيلي هذا المشهد بـ “الفصح، عِيدُ الْيَهُودِ، كَانَ قَرِيبًا” (يو 6: 4)، ليربط إشباع الجموع (الخبز المادي) بالخبز السماوي الذي سيقدمه المسيح على الصليب كفصحنا الجديد وخبز الحياة الأبدية.

 “فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعاً كَثِيراً مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزاً لِيَأْكُلَ هَؤُلاَءِ؟” (يو 6: 5)

إن المسيح لم يسأل السؤال لجهل، فالإنجيل يشهد: “وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ، لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ.” (يو 6: 6). فنجد أن :

  1. السيد المسيح يرى حاجتنا فالمسيح هو الذي رأى الجموع وشعر باحتياجها قبل أن يشعروا هم بأنفسهم. هو الذي يبدأ بالتدبير والعناية.

  2. السيد المسيح يقدم امتحان للكشف عن العجز ، فربنا يسوع يختبرنا في ضوء احتياجاتنا الكبيرة ليدركنا عجز إمكانياتنا المادية.

  3. يظهر الرؤية المحدودة (فيلبس) حيث كان رد فيلبس ماديًا بحتًا يحسب بالدينار: “أَجَابَهُ فِيلُبُّسُ: لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئاً يَسِيراً.” (يو 6: 7). لقد حسب فيلبس المال، وحسب العدد، وحسب أقل كمية يمكن ان تُوزع، ووصل إلى نتيجة اليأس.

و نحن أيضاً عندما تواجهنا مشكلة (مرض، ضيقة، احتياج مادي)، نبدأ بالنظر إلى القليل الذى لدينا (مدخراتنا، صحتنا، علاقاتنا) ثم نعلن العجز. المسيح يريد أن يُخرجنا من حسابات فيلبس المادية لندخل إلى حسابات الإيمان وقوة الله اللامحدودة.

وننتقل إلى نقطة أخرى من المعجزة وهى تقدمة الغلام المتواضعة

“قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ، وَهُوَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ: هُنَا غُلَامٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ. وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ؟” (يو 6: 8-9)

في هذا الجزء، نتعلم عن بركة القليل المُقدَّم:

  • هذا الغلام المجهول هو بطل الإيمان. لقد كان معه وجبة طعام شخصية (خمسة أرغفة شعير – طعام بسيط)، لكنه لم يتمسك بها بل سلمها. إن إيمانه لم يُحسب القليل ولا الجموع الكثيرة، بل سلّم الأمر كاملاً للمسيح.

  • وعلى الرغم من إيجابية أندراوس في البحث، إلا أنه أتم جملته باليأس: “وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ؟” لقد رأى القليل، لكنه لم يرَ قوة المسيح القادرة على تكميل هذا القليل.

  • رمزية التقدمة:

    • أرغفة الشعير: ترمز إلى التواضع.

    • القليل المُقدم: يرمز إلى كل ما نملكه من مواهب بسيطة أو إمكانيات محدودة (وقتك، محبتك، خدمتك المتواضعة).

ونتعلم أن الله لا يطلب منّا الكثير أو الكامل، بل يطلب القليل المُقدَّم بصدق. ضع “أرغفة الشعير” التي لديك بين يدي المسيح؛ موهبتك البسيطة، صلاتك القصيرة، خدمتك الصامتة… عندها سيكثر ويبارك.

نقطة أخرى نتكلم عنها وهى سر البركة والإفخارستيا

طلب المسيح أولاً: “اِجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ.” (يو 6: 10)، فالشبع الروحي يبدأ بالاستعداد والهدوء الداخلي، ثم جاءت الخطوات الإلهية:

“وَأَخَذَ يَسُوعُ الْأَرْغِفَةَ، وَشَكَرَ، وَوَزَّعَ عَلَى التَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ أَعْطَوْا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا.” (يو 6: 11)

  1. الشكر الإلهي:وَشَكَرَ“. المسيح يبارك القليل المقدّم ويشكر الآب، ليعلمنا أن البركة تأتي من فوق، وأن الشكر هو مفتاح الإشباع والوفرة..

  2. التوزيع الإلهي/الكهنوتي: المسيح وزّع على التلاميذ، والتلاميذ أعطوا الجموع. هنا نرى العمل الإلهي والكرازي في الكنيسة. النعمة تأتي من المسيح وتمر عبر الخدام (التلاميذ) إلى الشعب (الجموع).

  3. الفيض والإشباع: كان الإشباع ليس فقط للحد الأدنى بل بفيض: “بِقَدْرِ مَا شَاءُوا”. إن عطاء المسيح يتجاوز احتياجنا.

  4. حفظ النعم: بعد الشبع، أمرهم المسيح: “اِجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ.” (يو 6: 12).

    • تم جمع اثنتي عشرة قفة مملوءة، وهو عدد يرمز إلى عدد التلاميذ (الكنيسة). هذا الفائض يمثل البركة الإلهية التي لا تنتهي والتي تكفي الكنيسة كلها.

    • ونتعلم أنه يجب ألا نضيع بركات الله علينا، سواء كانت مادية أو روحية (وقت الصلاة، لحظات التوبة، كلمة العظة). لنتعلم أن نجمع ونحفظ هذه الكنوز.

واخيرا نجد الاعتراف بالمسيح

“فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَة الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ.” (يو 6: 14)

  • أدركت الجموع أن المسيح هو المسيا المشبع، هو النبي الذي وعد به موسى كما تنبأ فى سفر التثنية : “«يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ.” (تث 18: 15).

  • في كل قداس، تتكرر هذه المعجزة بطريقة تفوق الخيال، حيث نشبع من جسده ودمه الأقدسين، خبز الحياة الأبدية.

فلنخرج من قداس اليوم حاملين إيمان الغلام الصغير ووعي التلاميذ بالوفرة الإلهية، ولنضع القليل الذي لدينا بين يدي المسيح ليُشبِع به العالم.

لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد آمين