عند قراءة إنجيل القداس لأسبوع الثالث من شهر هاتور نقرأ أنجيل معلمنا لوقا (14: 25- 35).

أن الله يدعو الجميع للملكوت وابتداء من هنا نسمع شروط الدخول للملكوت. وفي هذه الآيات نسمع أول شرط وهو محبة الله أكثر من أي أحد والشرط الثاني هو حمل الصليب فلن يقدر على حمل الصليب إلا من أحب الله حتى أكثر من نفسه. يبغض وتترجم أيضًا يحب أقل.

كما نرى شرطًا ثالثًا لدخول الملكوت ألا وهو دفع النفقة. فمن أراد أن يتبع يسوع سيكون عليه نفقة وهي التضحية بكل ما في العالم حتى العلاقات الأسرية العادية، إن كانت ستعطلنا عن حب يسوع، وقبول حمل الصليب حبًا في يسوع (وهذا موضوع الآيات السابقة 25-27).

ومن يتبع يسوع سيبني برجًا من الفضائل، البرج يشير لحياته السمائية والإرتفاع يشير للنمو في الفضائل، والابتعاد عن الملذات الدنيوية. فالبرج هو حياة في السمائيات (كو1:3). والابتعاد عن ملذات العالم هو النفقة وهو صليب اختياري “أقمع جسدي وأستعبده” (1كو27:9).

المسيح بمثل البرج لا يريد تثبيط الهِمَمْ من ناحية الخلاص(1)، فهو يريد أن جميع الناس يخلصون، إنما يريد أن يشرح أن من يتبعه عليه أن لا ينشغل أو يرتبك بالأمور الدنيوية (فالحاجة إلى واحد لو42:10) لأن مثل هذا سريعًا ما يرتد “ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر” (2تي10:4)، ويكون بهذا عثرة وسخرية.

ولكن المسيح هنا يواجهنا بالحقائق التي ستواجهنا لنستطيع أن نكمل برج الفضائل. لا مانع أن نشعر بضعفنا فقوته “في الضعف تُكْمَل”.. “وإن لم يبني الرب البيت فباطلًا تعب البنائين”، ولكن علينا أن نثابر ونجاهد إلى النهاية حتى تعمل معنا النعمة، أي نرضَى بحمل صليبنا في تسليم.

(الصليب الاختياري مثل قمع الجسد كالصوم مثلا. أما الصليب الذي يختاره الله فهو تجربة يسمح بها الله).

والبرج في علوه يكون قادرًا على اكتشاف الأعداء من بعيد، وهذا سهل لمن يحيا في السماويات أن يكتشف خداعات الشيطان. ومن لا يقبل حمل الصليب لا تعمل فيه قوته، بل وتهزأ به الشياطين الذين يحاربونه بالتجربة لكي يترك طريق المسيح.

ولن يقدر أن يكمل سوى من يقبل أن يحمل الصليب، ويرضَى بحمل الأتعاب والآلام والتخلي عن الملذات أي ترك ما هو محبوب ملتصقين بالله.

نرى في البرج الحياة السمائية، فكلما إرتفعنا نرى السماويات وندرك لذة العشرة مع الله، ونتعرف على أسراره الفائقة، ونصير برجًا حصينًا ضد العدو. ولكن كلما إرتفع البرج، يهتاج الشيطان فيثير حربًا ضدنا.

فكل من يبني برجًا عليه أن يتوقع أن يأتي عليه الملك الآخر ويحاربه، والملك الآخر هو إبليس إله هذا الدهر ورئيس هذا العالم، وذلك لحسده فهو لا يتوقف عن محاربته لنا بكل طرق الخداع. وهو في حربه يريد أن يقتنص الكل لمملكته، مملكة الظلمة.

والله يسمح لإبليس أن يحاربنا ، ولكن الله يسندنا بل يحارب فينا ، ومن يصبر يغلب، ومن يغلب يرتفع برجه اكثر. لذلك فالله يسمح بأن يجربنا إبليس.

ولاحظ أن المسيح في مثله يقول عني وعنك أي ملك= فارتباطنا بملك الملوك يجعلنا ملوكًا (رؤ6:1) أي أصحاب سلطان روحي، نغلب بالمسيح (رؤ2:6) ويكون لنا إكليل.

وفي (أف12:6) نرى صورة هذا الصراع مع قوات الشر الروحية حتى تجذبنا من السماويات التي نحيا فيها. وحربنا ستكون ضد شهواتنا التي سيثيرها عدو الخير، وستكون ضد محبة العالم، وستكون ضد ارتباطنا مع الأهل، إذا كان سيفسد محبتنا للمسيح (مثال: من يتخاصم مع الله بسبب مرض أو موت قريب له، هذا أحب قريبه أكثر من المسيح).

نخرج للحرب ولنا 10000= 10 (حفظ الوصايا)، 1000 (الفكر السماوي) أي حربنا ستكون بالتزامنا بالوصايا حبًا في المسيح (يو21:14) وبأن نحيا نطلب ما هو فوق لأن مسيحنا هو فوق (كو1:3؛ أف6:2).

أما عدو الخير فيأتي بـ20000 فهو يحارب بضربات يمينية (بر ذاتي) وضربات يسارية (شهوات) وهذه وتلك= 20. وهو يحاربنا في السماويات (1000) التي نحيا فيها، أي حتى يخرجنا منها (أف12:6). وقد يكون رقم 20= 2×10 ورقم 2 يشير للانقسام والاختلاف. فالله خلق العالم في وحدة، وبعد الخطية حدث الانقسام، فعدم طاعة الوصايا هو اختلاف وانقسام وتضاد مع الوصايا ويشير له رقم 20.

على أن المسيح بتجسده عاد ووحد الكنيسة فيه، وصار رقم 2 يشير للتجسد لأنه جعل الاثنين واحدًا (أف14:2). وقد يكون رقم 2 والذي يشير للانقسام هو إشارة لانقسام القلب بين محبة الله ومحبة العالم.

ونلاحظ أن قوة العدو 20000 أكبر من قوتنا 10000، ولكن لا ننسى أن من التزم بالوصايا وعاش السماويات يحارب يسوع فيه فيغلب.

يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح= أي يعود لأهله ولشهواته. وفي آية (33) نرى شرطًا آخر للملكوت ألا وهو ترك الأموال، أي عدم الاتكال عليها وأن ننفق منها على المحتاج.

(آيات 34-35):- راجع (مر49:9-50). ومعنى كلام السيد، أنه على المؤمن أن يقبل بحمل صليبه ويبني برجًا، ولا يكتفي بالقشور بل يدخل للعمق، مثل هذا سيكون ملح جيد = ملحًا يصلح الفساد الذي في العالم، أمّا الذي يرتد ويتصالح مع إبليس فهذا سيكون ملحًا فاسدًا لا يصلح سوى لمزبلة.

من له أذنان= أي أن كلامي موجه لمن كانت نفسه تواقة لسماع تعليمي وله استعداد أن يعمل بها.

السيد المسيح بعد أن دعا الكل للملكوت، قال أن هناك شروط وهناك نفقة. فمن يقبل بهذه النفقة سيكون ملحًا في الأرض، وله مكانه في السماء. ومن لا يقبل بالنفقة سيصير ملحًا فاسدًا في الأرض، يداس من الناس. ولا نصيب له في الملكوت السماوي.