الاحد الثالث من شهر طوبه المبارك
وهو الأحد الذى يعقب معموديه ربنا يسوع المسيح عقب عيد الغطاس المجيد، وفيه أتى المسيح مع تلاميذه إلى أرض اليهودية وكان يُعَمِّدْ. ويقول القديس أغسطينوس إن المسيح عمَّد تلاميذه أولاً ثم كلفهم بأن يعمدوا الناس وإكتفى هو بالتعليم ويكمل أغسطينوس وذهبي الفم أن معمودية التلاميذ في ذلك الحين لم تكن معمودية سرائرية حسب ما يُصنع الآن فالروح القدس لم يكن قد حلَّ عليهم بعد.
أ – معمودية يوحنا: كانت إغتسالاً للجسد كله بالماء. وكان هذا عند اليهود يعني التطهير “إنضح علىَّ بزوفاك فأطهر. إغسلني فأبيض” وكان هناك في خيمة الاجتماع مرحضة للإغتسال. وكان يوحنا يعمدهم إعلاناً وعلامة على توبتهم ورمزاً لنعمة الخلاص الآتي.
ب – معمودية التلاميذ للجموع قبل حلول الروح القدس على التلاميذ: هذه في شكلها شبيهة بمعمودية يوحنا وكانت للتطهير وينقصها حلول الروح القدس.
وكلا المعموديتين (أ، ب) هدفهما التوبة، والمعمودية رمز وإعلان لذلك. وهدف ذلك أن التائب تنفتح عيناه فيعرف المسيح.
أما المسيح نفسه فقد عمد تلاميذه معمودية حقيقية ولذلك عند غسله لقدمي بطرس قال له “الذي إغتسل ليس له حاجة إلا لغسل رجليه بل هو طاهر كله”. إذاً معمودية المسيح لهم كانت حقيقية ولكن فعلها مؤجلاً لحين حلول الروح القدس عليهم. فالتلاميذ حين عمدهم المسيح حصلوا على حقهم في مفاعيل المعمودية، لكن هذا تم يوم حلول الروح القدس.
ج – المعمودية الثالثة: هي ما يصنع الآن في الكنيسة ومارسه التلاميذ بعد حلول الروح القدس عليهم. وهي معمودية للتطهير وكاملة الفعل وتتم بالروح القدس.
ونرى هنا المعمدان مازال يمارس وظيفته في الإعداد بالتوبة لملكوت الله كسابق للمسيح. وربما ترك المعمدان مكانه الذي كان يعمد فيه أولاً ليبعد عن هيرودس أنتيباس بسبب العداوة التي نشأت بسبب هجومه عليه وتوبيخه علناً. وقد بدأ العدد الذي يذهب للمعمدان يتناقص، إذ بدأ كثيرون يذهبون للمسيح لذلك قال المعمدان “ينبغي أن هذا يزيد وأنا أنقص”.
ووجود المسيح يعمد مع وجود يوحنا أنشأ نوعاً من المنافسة والمباحثات بين تلاميذ المعمدان واليهود المعمدين أو بين تلاميذ المسيح. فالمسيح يعلم أن الخلاص يكون بالميلاد من فوق بواسطة الروح القدس لنكون خليقة جديدة. والمعمدان يعلم أن المعمودية هي توبة فقط، وحين إحتدت المناقشة أتى تلاميذ المعمدان له ليسألوه، فهم تصوروا أن المعمدان هو المسيا ومعموديته هي الخلاص، وهكذا كانوا يشرحون لليهود.
وفي هذا نرى أن تلاميذ المعمدان لم يفهموا شهادة معلمهم بأن الذي يأتي بعده هو أقوى منه. لأنهم فهموا أن هناك تساوي بين المسيح ويوحنا. بل هم يقولون للمعمدان “يامعلم”. وفي إستخفاف لا يذكرون اسم المسيح. فهم وضعوا المسيح فى مركز أقل من المعمدان. “الذي أنت قد شهدت له” = بهذا كان تلاميذ يوحنا يريدون أن يثيروه ضد المسيح ولكنه لم يستجب لهم.
وحالياً يظن بعض الخدام أن خادماً آخر صار منافساً له. هذا يطلب مجده هو لا مجد المسيح. يوجد فارق بين الانسان الجسداني والانسان الروحاني… الجسداني ناظر للانتماءات ناظر لعدد الناس اللي حواليه.. الجسداني ناظر الى الارض.. السماوي ناظر الى الله وناظر خدمته ازاي تكون مقبولة عند ربنا، مش مهم يكون عنده كم او معه كم او حواليه كم المهم انه يكون من فوق مش من اسفل.
يضع المعمدان هنا مبادئ هامة. فيقرر أن كل معلم لا يأخذ إلاّ ما أعطته له السماء. وعلى كل واحد أن يؤدي رسالته في حدودها المعينة له من السماء. وهذا الرد ينهي روح المنافسة بينه وبين المسيح في نظر تلاميذه، بل أنه هو فرح إذ أن الناس بدأت تتبع المسيح.
وحسب رأي الآباء ومنهم ذهبي الفم وأغسطينوس. “الذي من فوق” = فهو رأى الروح نازلاً ومستقراً عليه، وهو شهد أنه إبن الله، فهو يعلم من أين أتى المسيح، وبالتالي فهو فوق الجميع علماً وتأثيراً وكرامة ومجداً. “الذي من الأرض” = هنا المعمدان يقارن نفسه بالمسيح. ويتكلم بالروح عن المسيح وشهادة المسيح لنفسه ولرسالته. ولأن رسالة المسيح سماوية لم يفهمها كثير من الناس ولم يقبلوها. هذه نبوة عن رفض اليهود للمسيح. ورسالة المسيح سماوية فهو يشهد بما رآه وسمعه.
والمعمدان كنبي تنبأ عن المسيح بفرح إذ أن نبوته قد تحققت ورأى تحقيقها بعينيه. وتصوير المسيح أنه العريس، وعند اليهود كان صديق العريس يعد كل شئ للعريس وللفرح، وحينما ينتهي الفرح بنجاح وبدون مشاكل يفرح الصديق إذ أن مهمته قد نجحت وكان هذا عمل المعمدان، إعداد الناس كعروس للمسيح العريس الحقيقي. وبهذا إنتهى دور الأنبياء بظهور الذين تنبأوا عنه، فإذا ظهرت الشمس (المسيح) ينتهي عمل المصابيح (المعمدان).
جرت العادة عند اليهود أن الشاهد يضع ختمه تصديقاً على الشهادة التي نطق بها. والمسيح هو الشاهد لله، الذي يتكلم بكلام الله ويختم بصدق الله. وكل من يقبل المسيح يكون كمن قبل كل الحق من الله. ففيه تكمل كل مواعيد الله الصادقة غير الكاذبة وأن الذي يقبل المسيح يجد فيه ختماً لكل النبوات والمواعيد التي قالها الله على فم أنبيائه.
عموماً من يقبل شهادة المسيح وتعاليمه فقد صدق الله فالمسيح هو الله، هو كلمة الله الذي يعلن للناس كلام أبيه، وهو صورة الله غير المنظور وهو رسم جوهره). لذلك قال الرب يسوع لليهود “لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً” (يو8: 19) فمن عرف الله حقيقة سيعرف المسيح ومن يعرف المسيح سيعرف الآب، لذلك يقول الرب لفيلبس “الذى رآنى فقد رأى الآب” (يو14: 9).
المعمدان كان هو أول من أعلن حقيقة أن المسيح هو إبن الله (يو1: 34) بعد ما رآه يوم المعمودية أن الله أرسل المسيح الذي تعترضون أنتم عليه، محملاً بآيات وكلام الحياة، كلام الله نفسه. والله كان يعطي الأنبياء الروح بمقياس ومكيال أي بقدر معين. وعلى قدر ما يحتمل كل نبي وبقدر ما يحتمل السامعين، أما للمسيح فبلا كيل وبلا مقياس فهو له ملء الروح، ونحن نأخذ من ملئه (يو1: 16) والناس تذهب إلى المسيح لأن كلامه هو كلام الله. وكلام المسيح هو روح وحياة (يو6: 63) ولا أحد يستطيع أن يتكلم في الإلهيات إلاّ بالروح القدس.
ونلاحظ أن شهادة المعمدان هنا تتطابق مع ما قاله المسيح لنيقوديموس. فالروح هو الذي أوحى للمعمدان بما قاله، والمسيح أشاد بشهادة المعمدان عنه (يو5: 33 – 36).
وهنا سر آخر كشف للمعمدان أن الحب هو لغة الثالوث فالله محبة والإبن هو المحبوب، الآب ينبوع محبة وهذه المحبة تصب فى الإبن بالروح القدس، وحينما إتحدنا بالإبن صارت هذه المحبة تنسكب فينا بالروح القدس (رو5: 5) إذاً قوله “الآب يحب الإبن” = تعنى الوحدة بين الآب والإبن، وتعنى أن الآب فى الإبن والإبن فى الآب (1يو4: 16 & 1أف1: 6).
بهذه الكلمات والتعاليم كان يوحنا المعمدان يحول تلاميذه للمسيح لتكون لهم حياة أبدية.
الإيمان بالمسيح هو خطوة أولى، لكن لا بد من المعمودية كما عمل التلاميذ يوم الخمسين، وعمل بولس الرسول مع عائلة سجان فيليبى، وفيلبس مع الخصى الحبشى وبطرس مع كرنيليوس. فبالمعمودية نتحد بالمسيح، والمسيح هو الحياة الأبدية (يو11: 25) فمن يتحد به يحيا أبدياً فالإيمان بالمسيح هو فقط طريق الحياة الأبدية.
طوباك أيها المعمدان، يا من استحققت أن تكون أعظم نبي من مواليد النساء. طوباك في اتضاعك ووضوح الأمور بداخلك، فلم تسرق مجد الله لحسابك، ولم تأخذ شيئاً لم يُعْطَ لك. فليتنا نتعلم منك ألا نعتقد أننا أصحاب الكرامة، بل مجرد خدام وعبيد… ننسب كل مجد وكرامة للرب وحده، فيكمل فرحنا بمن خلّصنا كما كمل فرحك أنت..