المجد لله في أعالي السماء: موضوعنا اليوم هو
بركات صعود السيد المسيح وأثره في حياتنا.
نحتفل اليوم يا إخوتي الأحباء بعيد مجيد من الأعياد السيدية الكبرى في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وهو “عيد صعود ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح إلى السموات”.
هذا الحدث ليس مجرد نهاية لرحلة المسيح بالجسد على الأرض، بل هو بداية عصر جديد للبشرية، وتتويج لعمل الفداء، وفتح لأبواب الرجاء الأبدي.
لنقسّم تأملنا اليوم في هذا السر العظيم إلى أربع نقاط رئيسية تمس إيماننا وحياتنا اليومية.
١. حتمية الصعود وتمجيد الطبيعة البشرية
+إن صعود السيد المسيح بجسده القيامي إلى السموات هو إعلان عن قبول الآب للذبيحه الكفاريه ، وتكريم للطبيعة البشرية التي اتحد بها الكلمة. في التجسد،
نزل الله إلى أرضنا، وفي الصعود، أصعد الإنسان إلى سماء السماوات.
+من العهد القديم: تنبأ داود النبي بالروح عن هذا المشهد المهيب قائلاً: “صَعِدَ اللهُ بِهُتَافٍ، الرَّبُّ بِصَوْتِ الصُّورِ” (مزمور ٤٧: ٥)،
وأيضاً: “ارْفَعْنَ أَيَّتُهَا الأَرْتَاجُ رُؤُوسَكُنَّ، وَارْتَفِعْنَ أَيَّتُهَا الأَبْوَابُ الدَّهْرِيَّاتُ، فَيَدْخُلَ مَلِكُ الْمَجْدِ” (مزمور ٢٤: ٧).
ويضيف معلمنا بولس الرسول هذا التمجيد بقوله: “وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوَاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أفسس ٢: ٦).
+الأثر في حياتنا: الصعود يعطينا كرامة وقيمة؛ فجسدنا وطبيعتنا لم يعودا تراباً منبوذاً، بل صار له مكان سمائى. هذا يدعونا أن نحفظ أجسادنا مقدسة ونقيه لأنها تخص مواطني السماء.
٢. إرسال الروح القدس المعزي
+كان الصعود شرطاً ضرورياً لانسكاب الروح القدس على الكنيسة. فالمسيح صعد لكي يرسل لنا المحامي والمعزي الذي يمكث معنا إلى الأبد، ليقود الكنيسة ويوحدها ويمدد عمل الفداء في الأسرار المقدسة.من
ونجد فى العهد القديم: يربط المزمور بين الصعود ونوال العطايا للبشر: “صَعِدْتَ إِلَى الْعَلاَ. سَبَيْتَ سَبْياً. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ النَّاسِ” (مزمور ٦٨: ١٨).وفى العهد الجديد: يقول الرب يسوع لتلاميذه بوضوح:
“إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ” (يوحنا ١٦: ٧).
+الأثر في حياتنا:
نحن لا نعيش يتامى؛ الروح القدس الساكن فينا بالمسحة المقدسة (الميرون) يعزينا في الضيقات، يبكتنا على الخطية، ويرشدنا للتوبة. فالصعود يذكرنا بضرورة الاستجابة لصوت الروح القدس داخلنا
٣. شفاعة السيد المسيح الكفارية الدائمة
+السيد المسيح صعد إلى السماء باعتباره رئيس الكهنة الأعظم. هو لم يتركنا مهملين، بل دخل إلى الأقداس السماوية ليشفع فينا بدمه الكريم أمام الآب. هذه الشفاعة الكفارية هي ضمان غفراننا وقبولنا الدائم.
ففى العهد القديم يشير طقس “يوم الكفارة العظيم” في سفر اللاويين إلى هذا؛
حيث كان رئيس الكهنة يدخل وحده مرة في السنة إلى قدس الأقداس بدم الذبيحة ليكفر عن الشعب (لاويين ١٦).
هذا كان رمزاً للمسيح الذي دخل السماء . وفى العهد الجديد: يوضح الرسول بولس هذا العمل بدقة بقوله
“لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِأَيْدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا”
(عبرانيين ٩: ٢٤).
+الأثر في حياتنا:
يعطينا الصعود رجاءً وثقة لا تتزعزع. مهما سقطنا في الخطية، لنا رئيس كهنة رحيم مستعد لقبول توبتنا؛ فنقبل إلى سر الاعتراف بقلب واثق في المراحم الإلهية.
٤. توجيه القلوب نحو المواطنة السماوية والملء الثاني
+ختام حدث الصعود انه يحمل وعداً صريحاً بمجيء المسيح الثاني . فالكنيسة الأرثوذكسية تعيش دائماً بفكر “الغربة”، متطلعة نحو السماء، منتظرة العريس السماوي. وقد أكد العهد القديم: لما رأى دانيال النبي هذا المشهد مستقبلياً:
“وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ… فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً” (دانيال ٧: ١٣-١٤).
وفى العهد الجديد: قال الملاكان للتلاميذ أثناء صعوده: “إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ منْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ”
(أعمال ١: ١١).الأثر في حياتنا: يدعونا الصعود لعدم التعلق بالأرضيات الفانية. كما يقول القديس بولس: “فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (كولوسي ٣: ١).
الصعود يا احبائى يصحح بوصلة حياتنا اليومية لنعمل من أجل الأبدية.
الخلاصة:يا إخوتي، إن صعود رب المجد هو صعود لقلوبنا وأفكارنا. فلنرفع قلوبنا إلى فوق (كما نقول في القداس الإلهي: “هي عند الرب”)،
ولنعش بفرح وبرجاء، مستندين على شفاعته، وممتلئين من روحه القدوس، حتى نؤهَّل للمجد الذي أعده لنا.ولإلهنا كل المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.