عيد استشهاد الرسولين بطرس و بولس 5 ابيب 1742 ش

يعد عيد الرسل هو عيد الكرازة والشهادة ورسالة الكنيسة إلى العالم ، ففيه تكرم الكنيسة القديسين الرسولين بطرس وبولس، اللذين قدّما حياتهما شهادةً للمسيح، وصارا مثالًا حيًا للإيمان والجهاد والكرازة.

ولا يقتصر الاحتفال بهذا العيد على تذكار استشهادهما، بل اظن انه يحمل رسالة روحية عميقة تؤكد أن الكنيسة مدعوة في كل جيل إلى أن تواصل رسالة الرسل، فتبشر بالمسيح، وتخدم بمحبة، وتشهد للحق بأمانة، مهما كانت التحديات.

ايضا اختارت الكنيسة أن تجمع في عيد واحد بين القديس بطرس والقديس بولس، رغم اختلاف خلفية كل منهما وشخصيته وطريقة خدمته. فبطرس كان صيادًا بسيطًا دعاه السيد المسيح ليكون “صيادًا للناس”، أما بولس فكان عالمًا وفريسيًا غيورًا، تحولت حياته بالكامل بعد لقائه بالمسيح في طريق دمشق.

ورغم هذا الاختلاف، فقد جمعهما هدف واحد هو إعلان الإنجيل للعالم، حتى ختم كل منهما حياته بالشهادة للمسيح في مدينة روما خلال القرن الأول الميلادي. وهكذا يعلن العيد أن الله يعمل في كل إنسان بحسب مواهبه وإمكاناته، وأن القداسة ليست مرتبطة بخلفية الإنسان، بل باستجابته لدعوة الله وأمانته في تنفيذها.

و يأتي عيد استشهاد الرسولين بطرس و بولس في ختام صوم الرسل، وهو أقدم أصوام الكنيسة، إذ بدأ الرسل أنفسهم في الصوم والصلاة بعد حلول الروح القدس عليهم، استعدادًا لانطلاقهم في خدمة الكرازة إلى العالم اجمع و الى اقصى الارض .

و خلال الاحتفال بعيد الرسل تمارس الكنيسة طقسا فريدا و هو طقس اللقان… كدعوة إلى التطهير والاستعداد للخدمة

و هذا  ما يميز عيد الرسل إقامة صلاة اللقان قبل القداس الإلهي، وهي من الطقوس الهامة جدا  التي لا تُصلى سوى ثلاث مرات خلال السنة الليتورجية: في عيد الغطاس، وخميس العهد، وعيد الرسل.

وكلمة “لقان” أصلها يوناني، وتعني الإناء المستخدم لغسل الأيدي أو الأرجل، وقد استُخدمت في التقليد الكنسي لتشير إلى صلاة تبريك المياه.

وترى الكنيسة في الماء علامة للحياة والطهارة والتجديد، ولذلك تصلي على الماء، طالبـةً بركة الله وشفاءه ونعمته لشعبه.

أما في عيد الرسل، فإن اللقان يحمل معنى خاصًا، إذ يربط بين التطهير الداخلي والاستعداد للخدمة. فالرسل لم يخرجوا للكرازة اعتمادًا على قدراتهم الشخصية، بل بعد أن امتلأوا من نعمة الروح القدس، وتطهروا بالتوبة، وسلموا حياتهم بالكامل لله.

ولهذا يُقام اللقان قبل بدء القداس الإلهي، في إشارة رمزية إلى أن الاقتراب من الأسرار المقدسة والخدمة في الكنيسة يبدأ دائمًا بقلب نقي وحياة تائبة.

قراءات العيد… مدرسة للكرازة

الكنيسة الحكيمة المرتشدة بالروح القدس تميزت في اختيار قراءات قداس عيد الرسل، إذ تتكامل جميعها لتقدم صورة متكاملة عن المؤمن الحقيقي.

في إنجيل العشية نرى السيد المسيح يدعو تلاميذه ويقيمهم ليكونوا معه أولًا، ثم يرسلهم للكرازة وشفاء المرضى وإخراج الشياطين. وهنا تؤكد الكنيسة أن الخدمة تبدأ بالوجود مع المسيح قبل الانطلاق إلى العالم.

أما إنجيل باكر، فيُظهر أن السيد المسيح قضى الليل كله في الصلاة قبل اختيار الرسل، ليعلم الكنيسة أن كل خدمة ناجحة تبدأ بالصلاة والاتكال على الله، وأن الدعوة للخدمة هي اختيار إلهي قبل أن تكون تكليفًا بشريًا.

وفي إنجيل القداس يرسل الرب تلاميذه ليكرزوا باقتراب ملكوت الله، ويمنحهم سلطانًا للخدمة، لكنه يوصيهم أيضًا ألا يعتمدوا على المال أو الإمكانيات المادية، بل يثقوا في عناية الله. كما يقول لهم: مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا، لتبقى الخدمة دائمًا عطية محبة وليست وسيلة لمجد شخصي أو منفعة.

وتأتي رسالة البولس لتوضح أن الإيمان لا يبقى حبيس القلب، بل يُعلَن بالكرازة، إذ يقول الرسول بولس: فكيف يسمعون بلا كارز؟ ، مؤكدًا أن الكنيسة مرسلة إلى العالم كله لتعلن بشارة الخلاص.

أما الكاثوليكون، فيقدم وصية القديس بطرس بالتمسك بكلمة الله وعدم الانجراف وراء التعاليم الغريبة، مذكرًا المؤمنين بأن شهادة الرسل قامت على معاينة حقيقية للمسيح، لا على أفكار أو خرافات.

وفي سفر أعمال الرسل نرى التطبيق العملي لهذه الرسالة، عندما يقيم بطرس ويوحنا الرجل الأعرج باسم يسوع المسيح، ثم يعلنان بكل تواضع أن القوة ليست منهما، بل من المسيح القائم من بين الأموات. إنها صورة رائعة للخادم الحقيقي الذي ينسب كل مجد لله وحده.

أما المزامير فتحتفي بانتشار الكرازة في كل الأرض، إذ تعلن: في كل الأرض خرجت أقوالهم، وإلى أقاصي المسكونة بلغت تعاليمهم، مؤكدة أن رسالة الإنجيل لم تتوقف عند حدود مكان أو زمان، بل امتدت إلى العالم كله.

كيف نستفيد من الاحتفال بعيد الرسل ؟

حقيقة الامر لا يدعونا هذا العيد إلى الاكتفاء بتذكر خدمة ابائنا الرسل و تعبهم فى الكرازة  ، بل إلى الاقتداء بإيمانهم ومحبتهم للمسيح.

فالمؤمن الحقيقي هو من يعيش كتابه المقدس و صلواته و ليتورجياته  قبل أن يتحدث عنهم، ويشهد للمسيح بسلوكه قبل كلماته، ويخدم بمحبة واتضاع، ويثق أن الله هو العامل الحقيقي في الخدمة.

كما يذكرنا العيد بأن الكنيسة ليست مجرد مبنى أو مؤسسة، بل جماعة مرسلة إلى العالم، تحمل رسالة الرجاء والسلام والخلاص لكل إنسان.

رسالة العيد

يبقى عيد الرسل دعوة متجددة لكل مؤمن أن يسأل نفسه: كيف أشهد للمسيح في بيتي، وفي عملي، وفي دراستي، و مع كل من يقابلني؟

فالكنيسة التي أسسها السيد المسيح و اعتبرها جسده بالمعنى العام و انتشرت الى العالم كله من خلال خدمة و كرازة  الرسل الاطهار ما زالت تواصل رسالتها عبر الأجيال، وكل واحد منا مدعو أن يكون شاهدًا أمينًا للمسيح، محافظًا على الإيمان، عاملًا بالمحبة، وخادمًا بروح الاتضاع، حتى يظل نور الإنجيل مضيئًا في العالم من خلال كل شخص فينا ، كما كان في أيام ابائنا الرسل القديسين.