
الأحد الأول من شهر توت
حين يبدأ العام الجديد بذاكرة الشهداء
ليست مصادفة أن تبدأ الكنيسة سنتها القبطية الجديدة بذكرى الشهداء. ففي أول يوم من شهر توت لا تضع الكنيسة أمامنا مجرد بداية زمن جديد، ولا تدعونا فقط أن نفرح بسنة جديدة، لكنها تضع أمام أعيننا دماء الذين سبقونا، وكأنها تقول لنا: لا تبدأوا السنة من الصفر، بل ابدأوها من حيث انتهى الشهداء.
لقد بدأ التقويم القبطي في عصر دقلديانوس، ومن هنا صار تقويمنا مرتبطًا بذكرى الشهداء، وكأن الكنيسة أرادت أن تجعل الزمن نفسه شاهدًا على أمانة أولادها للمسيح.
ثم يأتي الأحد الأول من توت، فنجد الكنيسة تضع أمامنا شخصية يوحنا المعمدان:
«الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان».
لماذا يوحنا بالذات في بداية السنة؟ لأن يوحنا هو الإنسان الذي عاش حياته كلها وكأنها شهادة. لم يعش لكي يصنع لنفسه اسمًا، ولا لكي يجمع حوله أتباعًا، ولا لكي يحتفظ بمكانته. كان يعرف أن مهمته هي أن يشهد للنور، وأن يقود الناس إلى المسيح. ولهذا قال:
«ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص».
وهذه هي أول مدرسة في حياة الشهداء: أن يزيد المسيح، ولو كان الثمن أن أنقص أنا.
الشهيد ليس إنسانًا أحب الموت
الشهادة في المفهوم المسيحي ليست حبًا للموت، فالإنسان المسيحي يحب الحياة؛ لأن الحياة عطية من الله. لكن الشهيد أحب المسيح أكثر من الحياة، وحين تعارضت أمانته للمسيح مع سلامة جسده، اختار المسيح.
وهنا نفهم لماذا يرتبط يوحنا المعمدان بعيد الشهداء. فيوحنا لم يحمل سيفًا، ولم يدخل معركة عسكرية، ولم يبحث عن الموت، لكنه قال كلمة الحق أمام هيرودس:
«لا يحل لك أن تكون لك امرأة أخيك».
كانت كلمة قصيرة، لكنها كانت أغلى من حياته، وهكذا صار يوحنا شهيدًا للحق.
والكنيسة لا تعلّم أبناءها أن يبحثوا عن الاستشهاد، لكنها تعلّمهم أن يعيشوا أمناء، حتى إذا جاءت ساعة الاختبار لا يجدوا أنفسهم غرباء عن المسيح.
بين النيروز ويوحنا المعمدان
ما أجمل ترتيب الكنيسة! في أول توت نحتفل بالشهداء، وفي الأحد الأول نسمع عن يوحنا المعمدان، وكأن الكنيسة تنتقل بنا من ذاكرة الشهداء إلى روح الشهادة.
فالشهيد ليس مجرد اسم في السنكسار، الشهيد هو إنسان عاش للمسيح حتى النهاية. وهنا يصبح السؤال الذي تضعه الكنيسة أمامنا في بداية السنة: هل أنا مستعد أن أعيش للمسيح؟
لأن الذي لا يستطيع أن يعيش للمسيح، لن يستطيع أن يموت لأجله.
الشهادة تبدأ قبل المذبح
تبدأ في القلب. تبدأ عندما أرفض خطية صغيرة لأن المسيح أغلى منها. تبدأ عندما أقول الحق رغم أن الكذب أسهل. تبدأ عندما أرفض أن أبيع ضميري لكي أرضي الناس. تبدأ عندما أختار المسيح في الخفاء، قبل أن أُختبر أمام الجميع في العلن.
«والحكمة تبررت من جميع بنيها»
في نهاية إنجيل الأحد يقول الرب:
«والحكمة تبررت من جميع بنيها».
يوحنا عاش بحسب حكمة الله، ولذلك لم يفهمه العالم. العالم رأى إنسانًا قاسيًا ساكنًا في البرية، يأكل الجراد والعسل ويلبس وبر الإبل، لكن السماء رأت فيه أمينًا.
وهذه هي مأساة الشهداء عبر التاريخ: العالم يحكم عليهم بحسب مقاييسه، أما الله فيحكم عليهم بحسب أمانتهم. العالم يرى الدم المسفوك، والكنيسة ترى البذرة التي سقطت في الأرض وأثمرت. العالم يرى نهاية حياة الشهيد، والكنيسة ترى بداية مجده.
ولهذا يقول سفر الرؤيا عن الشهداء:
«هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف».
أصغر في ملكوت السماوات
ثم يقول المسيح عن يوحنا:
«ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه».
هذه الكلمة تحمل سرًا عميقًا. ملكوت المسيح ليس ملكوت العظمة البشرية؛ ففي الملكوت العظيم هو المتضع، والقوي هو الذي يسلّم حياته لله، والمنتصر هو الذي يستطيع أن يقول مع بولس الرسول:
«مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ».
ولهذا فإن الشهداء لم يخسروا حياتهم. لقد اكتشفوا أن الإنسان لا يخسر حين يعطي حياته للمسيح، بل يجد حياته الحقيقية فيه.
سنة جديدة أم إنسان جديد؟
وهنا تصل الكنيسة بنا إلى المعنى الأعمق لبداية توت: ما قيمة أن تتغير السنة إذا لم يتغير الإنسان؟
قد تتغير الأرقام، وتتغير الأيام، ويبدأ عام جديد، لكن القلب يبقى كما هو. أما الشهداء فيقولون لنا:
اجعل بداية السنة بداية جديدة في علاقتك بالمسيح.
وهذا هو المعنى الذي نراه أيضًا في قراءات النيروز، حيث تتحدث الكنيسة عن الخليقة الجديدة:
«إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا».
فالتجديد الحقيقي ليس في التقويم، التجديد في الإنسان.
الشهيد حاضر في الكنيسة
والكنيسة حين تذكر الشهداء لا تفعل ذلك بحزن على أناس ماتوا، بل تذكرهم كأحياء؛ لأنها لا تؤمن أن الموت استطاع أن يفصلهم عن المسيح.
الشهداء هم شهادة حية أن المسيح أقوى من الموت. ولو كان الموت يستطيع أن يهزم الإنسان، لما صار دم الشهداء بذارًا للكنيسة.
ولكن كلما استشهد شهيد قامت حياة جديدة، وكلما أُغلقت كنيسة فُتحت قلوب، وكلما سقط جسد قام إيمان. وهكذا صار تاريخ الكنيسة مكتوبًا ليس فقط بالحبر، بل بالدم.
رسالة الأحد الأول من توت لنا
في بداية السنة، لا تسأل الكنيسة أبناءها: ماذا ستجمع؟ كم ستنجح؟ ماذا ستحقق؟ بل تسأل سؤالًا أعمق:
لمن ستكون حياتك؟
وهذا هو سر يوحنا المعمدان. عاش للمسيح، ومات للمسيح، ولم يترك وراءه ثروة، ولا قصرًا، ولا منصبًا، لكنه ترك شهادة. ترك حياة تقول:
«هوذا حمل الله».
وهذه هي عظمة الشهيد: أنه لا يجعل الناس يقفون عنده، بل يعبر بهم إلى المسيح.
لذلك حين نبدأ سنة جديدة، لا نحتاج فقط إلى أمنيات جديدة، نحتاج إلى قلب جديد. ولا نحتاج فقط إلى خطط جديدة، نحتاج إلى أمانة جديدة. ولا نحتاج فقط إلى أن نعيش سنة أخرى، نحتاج أن نعيش السنة مع المسيح.
فإن جاء الفرح نشكره، وإن جاءت التجربة نثبت، وإن جاء الألم نحمل الصليب، وإن جاءت ساعة الشهادة نكون قد تعلمنا منذ البداية أن نقول:
«لي الحياة هي المسيح، والموت هو ربح».
نسأل الله أن يكلل هذا العام بجوده وإحسانه، بصلوات أبينا البابا تواضروس الثاني، وأبينا الحبيب الساهر عنا الأنبا تيموثاؤس.
ولإلهنا المجد دائمًا. آمين.
